Wednesday, August 16, 2006

يـُتـْم

يـُتـْم


بدأت أعِ معنى كلمة "يتيم" عندما كنت في العاشرة من عمري. دينا السيد كانت تجلس أمامي تماما في الصف الثاني أمام السبورة. شعر دينا كان مجعدا جدا جدا، وملامح وجهها تبدو وكأنها ملامح إمرأة كبيرة، وعيونها واسعة جدا لا تبتسم. كنا في "الفسحة" عندما سألت دينا: هو باباكي بيشتغل إيه؟ اتسعت عيون صديقتي الأنتيم: دينا رضا كمال الدين محمد عمر(!) ووبختني قائلة: حرام عليكي تقولي كده إنت مش عارفة إن دينا باباها مات الأسبوع اللي فات؟

صُدمت.

كل أطفال الفصل كانوا يتحاشون دينا، ماعدا فتاة قليلة الحجم -لا أذكر اسمها الآن- كانت ترتدي نظارة "قعر كباية"، وكانت تجلس إلى جوارها كي تتمكن من رؤية السبورة. كنت اتحاشى دينا مع معظم الأطفال وأكره –في سري- شكل الساندوتشات التي كانت تجلبها معها- جبنة بيضاء في خبز "فينو" بايت "مفرول"، وأكره شكل شعرها المجعد المائل للحمرة.. وأكره تنورتها التي امتدت لتحت الركبة..

أخبرت أمي بقصة دينا، فقالت لي أنني يجب أن أعاملها بلطف، وأن أساعدها، وقالت لي أنني إن مسحت على رأسها سأنال حسنات عن كل شعرة ألمسها..

بعدها بسنة، كان الساندوتش المفتت في حقيبتي.. وكان شعري يخرج من تحت يد خالتي مجعدا، لأنها لم تعتد تسريحه كأمي.. وكانت أمي عند جدي تتلقى العزاء في أبي.. وكنت –ومازلت- أفزع عندما يحاول أي فرد من أفراد العائلة أن يربت على رأسي!


Sunday, August 13, 2006

فيروز كراوية: ع الحلم ناقشني

فيروز كراوية: ع الحلم ناقشني




للصورة الملائكية التي رسمها جار القمر لفيروز كراوية.. ولتحمس عدد كبير من المدونين لها منذ فترة، شعرت بأنني سأفتقد الكثير إن لم اسمعها.. اقترحت الفكرة على الأنتيمة مريم والعزيزة مروة.. وأخبرتهن بأنني سانهار إن لم اسمعها! تبادلنا بعض الإيميلات، وانتهى بنا الحال على ثلاثة كراسي في قلب قاعة الحكمة تماما وفي موقع أقل ما يقال عنه بأنه ممتاز.


عزمت على أن أستمتع بالحفل كما طلب مني في رسالته التي وصلتني قبل بدء الحفل بدقائق.. خفتت الإضاءة قليلا وامتلأ المكان بالبشر في لحظات.. فيروز كراوية تشبه ميرنا المهندس بشكل مفزع.. بسيطة جدا في ملابسها.. قد لا تميزها من وسط الجمهور..

ما إن بدأت في الغناء حتى اعتقدت أن الحزن يليق عليها.. وقد كان!

معظم الأغاني كانت شجينة وجلد-ذاتية (!) بطريقة أو بأخرى..
"تحس ف وسط ضلوعك قلب قزاز".. (يا وجعي!)
" ع الحلم ناقشني.. كأني ملحمة أو نجما ف السما" :)

أحببت الموسيقى و"بعض" الكلام.. وبين الأغنيات أخبرت مريم أن صوتها ليس بهذه القوة، فالهنات كثيرة وأحيانا ما يحتد الصوت أكثر من اللازم أو يخفت فيغيب! من الممكن أن تكون مرهقة أو لم تتدرب بالشكل الكافي.. لا أستطيع الحكم عليها من حفلة واحدة لكني لست واثقة من أنني سأتحمس لحضور حفلة أخرى.. لا أنكر أنها أبدعت في الأغاني ذات الإيقاع السريع.. خفيفة الدم.. أغنية "دمك تقيل" مثلا أو "يا بنات".. والتي لم تتطلب مساحات صوتية واسعة بطبيعتها.. لكنني إن ذهبت لأجل الطرب، لكنت قد أصبت باحباط مزمن!

ما لا أدري سببه حقا هو ارتفاع حالة الـ Euphoria أو النشوة في المكان.. كان التصفيق والصراخ أكثر من المطلوب.. وثمة موزع موسيقي (على ما يبدو) جلس خلفي مباشرة وصمم أن يضيف لمسته السحرية على معظم الأغاني بأصوات أصدرها من فمه مثل " تسسس تسسسس ودش دششش" (؟!)

أما ما يحسب للحفل حقا، فكانت الموسيقى.. وجدت الألحان رائعة.. عمرو جاهين يلعب العود باجرام (إن جاز التعبير).. محمد درويش موهوب.. وصاحب الكمان (اعذروني للزهايمر) بديع جدا.. الكلمات بِكر، ومليئة بالروح وإن تشابهت..

ذكرتني تجربة فيروز بتانيا صالح.. لكن الأخيرة تكتب وتلحن وتغني.. لهذا ربما استفزتني فكرة أن يكون الحفل لـ "فيروز كراوية" بل هو لـ"كوثر مصطفى" و"سيد محمود" و"أحمد حداد" و"عمرو جاهين" و"تامر فتحي" والملحنيين الذين لا تسعفني ذاكرتي بأسماءهم وكل من شارك.. (لسبب ما لم نأخذ برنامج الحفل)

وعلى المستوى الشخصي.. تحمست لفيروز لأنها تشبهنا كثيرا، ولأنه من الطبيعي أن أتحمس عندما يقف من يشبهنا على المسرح.. كنت سعيدة لكسر الروتين وللقاء مريم.. سعيدة لأنني قابلت رضوى صاحبة الكتابة التي لا تشبه أحد، وسعيدة أكثر لأنه تشبه كتابتها.. وأخيرا سعيدة لأنني لم أخذله وكنت سعيدة!
--
العنوان من أحد أغاني الحفل.. ظل يرن في بالي حتى الصباح..