Thursday, November 30, 2006

الناس المتعلقة على الحيطة

الناس المتعلقة على الحيطة


في شغلي "بورد" أو لوحة كبيرة للمحررين.. اللوحة دي استخداماتها كانت بتتطور بمرور الوقت.. في البداية كنا بنحط عليها جداول ومواعيد التسليمات، وبعدها بشوية كنا واخدينها هزار.. اللي يعلق نكته.. اللي يعلق مقال حلو.. اللي كاتب حاجة وعاوزنا نشوفها، وهكذا.. وكمان كان ممكن نكتب فيها تعليقاتنا على أي حاجة.. وطلباتنا وكده..

المهم فيه ناس كتير سابت المكان.. مفضلش من الإستاف العتيق غيري وغير أحمد مجدي.. الناس اللي كانت بتمشي كانت بتسيب لنا ذكرى على اللوحة دي عشان نفتكرهم بيها..

أول واحدة مشيت كانت مي.. ساعاتها كانت مناحة، لإننا كنا بنحبها بجد وهي كانت حد طيب قوي وبريئة من جوا كده، ولأنها زي ما قلت لكم أول واحدة تمشي.. بعد كده لما الناس ابتدت تمشي بالتدريج الموضوع فقد عنفه شوية..

مي سايبالنا يومية على اللوحة بتودع كل حد فينا بالاسم.. جنبها هتلاقو ورقة عليها قلب سابتها لنا شيماء أو شكشوكة زي ما بندلعها.. جنبها حاجة كان عمر كاتبها لمي لما مشيت وهو دلوقت مشي هو كمان.. جنبها فيه كارت صغير د/أحمد (رئيس التحرير) كتبهالنا بعد مارجع من أول سفرية طويلة ليه من إنجلترا..

الورق ده مش بيهم ناس كتير عندنا في المكتب دلوقت.. لأنهم ببساطة ماعرفوش الناس القديمة.. فالورق ده بالنسبة لهم مجرد ورق.. مش بواقي أصحاب وناس من لحم ودم.. الورق ده لسه موجود على اللوحة.. يمكن مراعاه لمشاعري أو لإن الناس محرجة تتخلص منه..

الورق ده عمال يطلع في اللوحة لفوق كل شوية، عشان يوسع المكان لورق الجداول والمهام التحريريه.. وساعات كمان فيه ورق بيتحط عليه.. الناس دي بتبعد.. تعرفوا لما تتصلوا بحد واحشكم قوي وتلاقوه نفسكم مش بتقولوا غير إزيك؟ والرد دايما يبقى الحمد لله؟ من غير أي تفاصيل..
إزيك؟
الحمد لله..
أو إزيك؟
ماشي الحال..
وخلاص!

وتلاقي نفسك بعد ما كنت محضر ليسته كلام وتفاصيل عاوز تحكيها، ساكت.. محرج من إنت تحكيها.. أو يمكن مش عارف ترجع الدفا تاني.. أو يمكن حاسس إن تفاصيلك معادتش تهم الناس دي.. أو يمكن حاسس إن التفاصيل كتيرة قوي متكومة من شهور، وفقدت أهميتها بالتراكم.. أو يمكن مش قادر تحدد بالضبط التفاصيل المهمة عشان تحكيها..

مش عارفة إيه اللي جاب الكلام ده دلوقت على بالي.. بس قلت أقول لكم.. وبالمرة أسلم على الناس القديمة كلها.. مي ومنى وإيمان وماريان وأميرة وشكشوكة وعمر وأسماء وضياء ودينا ودينا التانية.. وبس..

Sunday, November 19, 2006

بل هي الأشياء الصغيرة

بل هي الأشياء الصغيرة



يقولون لي أنني حالمة، ومثالية ورومانسية وبعيدة عن الواقع.. فأستغرب تعليقاتهم، وأكتم ضحكة في نفسي وأتمنى لو كان هذا صحيحا!

"غادة مع نفسي" لم تقل لكم أن الأمور ليست وردية دائما حتى معه.. لا تعرفون أنها تقضي 4 ساعات على الأقل في الموصلات يوميا من وإلى العمل.. لم ترونها بمريلة المطبخ تغسل البوتاجاز مثلا (البنات يعرفن ما أعني!)..

يا الله.. ماذا ستقولون لو عرفتم أنني أنوي استثمار عائد نشر أعز نصوصي إلى قلبي وأكثرهم تحليقا ورومانسية في غسالة أطباق؟!! (هذا حقيقي، للأسف..)

غادة "فقط" تلتمس نفسها في الأشياء الصغيرة، تتربص بنقاط النور التي يمن عليها بها الله، لأنها تعرف أنها وحدها التي تبقى في يوم شتوي عصيب لتمنح بعض الدفء..

الأسبوع الماضي، رأيت أب وابنته يأكلان الآيس كريم في طريقهما للبيت. رغبت جدا في الحديث معها.. وودت أن أخبر الرجل بأن هذا هو الذي سيبقى للبنت بعد أن تتعلم درسها الأول في معنى الفقد.. فمن السنوات التي قضيتها مع أبي لا أذكر سوى أيام الجمعة التي أخذني فيها لدار المعارف.. و أيام الخميس حين كانت تأتيني مجلتي الأسبوعية.. أذكر السوبيا التي كنا نأكلها وحدنا عند الرحماني.. وشذرات كهذه.. أما الأحداث الكبيرة، والتي كانت قد تبدو مهمة وقتها لا أذكر منها شيئا مهما حاولت أو اجتهدت..
هي الأشياء الصغيرة إذن..

في العادة يبدأ تعلقي بأي لغة بأغنية.. تلك التي تدور في الخلفية مثلا هي السبب في بدء تعلمي الفرنسية من جديد.. وأخرى سمعتها منذ سنوات على البرنامج الأوروبي ربطتني بالإنجليزية، حتى تخصصت فيها.. (أحبط جدا حين أسمع أغنية جميلة ولا أفهمها)..
البدايات تأتي من قلب الأشياء الصغيرة..

أما بالنسبة له.. فلأنه ارتجف حين رآني يومها.. واشترى لي الزهرة التي أحبها.. وتذكر يوم ميلادي ويوم ميلاد"نا".. وقرأ نظرة عيني.. وحفظ لزماتي في الكلام، أحببته..
ألم أقل لكم؟ إنها دوما الأشياء الصغيرة..

Thursday, November 09, 2006

دفـــــــــا :)

دفـــــا


في الباص الأخضر ابو جنية و10 ساغ، ركبت جنب بنوتة شايلة أكلاسير.. الراجل اللي بكرش كبير كان واقف جنبي.. كل شوية بيقرب من كتفي.. أقوم أنكمش على نفسي زي الأرنب..

البنت اللي معرفش اسمها.. فتحت لي حضنها في لحظة أمومة تلقائية.. ضميتني ليها وحاوططني بدراعها الشمال.. استخبيت في صدرها قوي.. وفضلنا كامشانين في بعض طول الطريق من غير ما نقول ولا كلمة..

شوية والباص وقف عند الجامعة.. طلعت بنوتة تانية فكرتني بواحدة صاحبتنا من ييجي سنتين.. وقفت جنب الراجل ابو كرش.. لابسة إيشارب أحمر وطقم جينز بسيط قوي.. بتسأل على الأجرة وضامة كتبها لصدرها.. بتحاول ترسم إبتسامة.. تعرف البنت اللي بتتحجج بالشتا والبرد لما تسألها "عنيكي ليه مدمعة النهاردة"؟ كانت هي..

لقيت نفسي بأمد لها إيدي وآخد كتبها وأوسع لها مكان جنبنا.. قدامي أنا والبنت اللي كمشانة فيها وكمشانة فيّا.. وبرضه كنا ساكتين..

يااه على الدفا اللي حسيته ساعتها.. لا اراديا لقيتني بأفرك الدبلة في إيدي اليمين جامد ولا كأنها المصباح السحري.. ساعتها بس.. حسيت إن الدنيا خرجت قلبي من ضلوعي وباسته :) !

Sunday, November 05, 2006

في رأسي


أشعر بأنني أحتجز كل أصوات الدنيا في رأسي..
أصداء أحاديث مبتورة.. وأنفاس صمت ثقيل.. وأصوات أطفال.. أطفال كثيرون.. منهم من يلعب الأولى.. ومنهم من يبكي.. اسمع أجراس المدرسة اللحوحة أيضا.. يتداخل هذا مع نهنهات صغيرة تخنق دموعها في وسادة كي لا يسمعها أحد..

هناك صوت برق ورعد.. وحفيف أشجار.. ونحلة انفلت خيطها فدرات على الأرض.. وصوت نيران تضرم في أطراف الغابات.. وطبول حرب رتيبة.. اسمع عويل إمرأة.. تليها ضحكة ماجنة.. ضجة المدينة وقت الذروة.. اسمع صرخة ممطوطة تأتي من تحت أقدامي.. وخرير دمي في عروقي كماء الجداول.. وعاصفة.. وفحيح بشري مقيت.. وسوط ينزل على ظهر محني.. وصغار مرة أخرى يرددون تعويذة لا أفقهها.. أصوات تموت وأخرى تحيا وأخرى تتشابك مع سابقاتها..

يا الله.. متى سأغيب عن الوعي!