Friday, April 25, 2008

حواديت ماما فاطمة



حواديت ماما فاطمة



إذا قدر لك لقاء ماما فاطمة، كُتبت عليك أيام عدة من الدهشة والإعجاب والتأمل الجميل.

***

وماما فاطمة هي حفيدة شهرزاد رقم خمسمائة، وهي أيضا جدة زوجي وجدة لما يقارب الثلاثين من الأحفاد وأحفاد الأحفاد. عندما قابلتها للمرة الأولى استغربت من أن الجميع يلقبها بماما، وكيف أن أحدا لا يقول لها يا "نينة" أو يا "تيتة" أو يا "جدتي"، لكنني حينما تعرفت عليها رغبت لو أن أناديها باسمها أو حتى أن أخترع لها اسم دلع خاص بها وأقوله لها وحدي.

إذا قررت أن تقابل ماما فاطمة عليك أن تذهب إلى الحسين، فهي تسكن هناك في عمارة قديمة خلف الجامع مباشرة.. عمارة سكنها الشيخ الشعراوي قبل وفاته وبها "تكية" عصرية لا تزال تفتح ذراعيها للمسافرين وعابري السبيل لتقدم لهم الوجبات المجانية وأماكن كثيرة للنوم والصلاة. وإن قابلتها ستفتح لك شنطة الحواديت وتنتقل بك من حدوتة إلى أخرى حتى تتمنى لو أن تظل جالسا تحت قدميها تسمعها تحكي للأبد..

ستحكي لك عن بيت عائلتها القديم في البلد، وكيف أنه امتلأ بالخدم والحشم والخير.. وستخص بالذكر "البت تِيتا" الخادمة الصغيرة التي تواطأت معها في تهريب الروايات من المكتبة الكبيرة إلى غرفتها حتى تقرأها حينما يكون الجميع نياما، على أن تعطيها نصيبا مضاعفا من اللحم وقت الغداء. ستحكي لك عن الطيور التي اعتادت تربيتها فوق سطح المنزل.. "فراخ وحمام وديوك رومي وخير ياما"، وكيف أنها كانت تجد في هذا العالم عزاءا كبيرا يعوضها عن حرمانها من الخروج من المنزل "أصل بنات العيلة عمرهم ماكانوا يسيبوا بيوتهم أبدا وقتها" وستلمح في عينيها بريق سعادة حينما تحكي لك على اليوم الذي أتت فيه إلى "مصر" مع الحاج "محمود" وكيف أنها كانت تنزل إلى الشارع كل يوم مع جارتها "فادية" زوجة لواء الجيش المعروف في الحتة لشراء احتياجاتها وكيف أنها كانت تجادل مع الباعة وتفاصلهم في السعر وتحصل دوما على الصفقة الأفضل.

أما إذا رُقت لها وأحبتك، فإنها ستريك صور زفافها التي تبدو فيها كواحدة من بنات العائلة المالكة.. كانت تشبه الملكة فريدة كثيرا وقتها في الحقيقة.. في ملامحها الدقيقة المصممة وفي وقفتها الأنيقة بالفستان الأبيض الدانتيل والتاج الماسي والزهور البيضاء. وبالرغم من مرور زمن طويل على وقت التقاط هذه الصورة، إلا إنك لن تستطيع منع نفسك من تخيلها ملكة عندما تعزم عليك بتناول الغداء -وهو أمر محتوم في بيتها- وتراها جالسة على رأس المائدة توزع الطعام على الجميع الذي التف حولها.. بالتساوي ودون أن تغفل أحدا.

وحين يأتي وقت الشاي، حاول أن تفتح معها شنطة الحواديت مرة أخرى.. لأنها ستحكي لك عن الملك والأميرة فوزية وشاه إيران.. عن الثورة وعن كاريزما جمال.. وقد ترتدي نظارة القراءة الصغيرة لتخرج لك قصاصات من جرائد قديمة احتفظت بها تحمل احداثا مهمة.. قد تحدثك عن الخطاب الأخير للبابا بنديكت في أمريكا.. و قد تريك الأجندة الصغيرة التي تدون فيها وصفات علاج السكر والضغط بالأعشاب والتي تضعها تحت وسادتها باستمرار.. أو قد تترك هذا كله وتسألك عن رأيك في الجون الأخير الذي احرزته مصر في ماتش بطولة الأمم الإفريقية بالأمس.

وعندما يحين موعد الرحيل، ستملأ كفيك بالبونبوني والشيكولاتة وستوصيك على أمك وزوجتك وأولادك، وستدعو لك بسعة الرزق وراحة البال.