Saturday, August 30, 2008

عندما أغضب.. أخبز كعكة

عندما أغضب.. أخبز كعكة


لعل هذا هو السبب في امتلاء بيتنا بالحلويات مؤخرا، فكلما أغضب.. أخبز كعكة. ثمة أمر يهدئني تماما عندما أكسر البيض وأفصل صفاره عن بياضه قبل الخفق وعندما أنخل الدقيق وأراقب ذراته الصغيرة وهي تتكاثف في قعر الوعاء الزجاجي الكبير الذي استخدمه في الخبز دوما.. أهدأ فعلا وأنا أراقب قطعة الزبد وهي تتماهى مع السكر في جهاز "الكيتشن ماشين" الذي أحب لونه الفضي كثيرا.. أما قمة متعتي فتأتي عندما أذيب الشيكولاته أثناء خبز الكعك فتعبق الشقة برائحة عصية على الوصف..

في الأسبوع الماضي، خبزت ثلاثة كعكات في يومين.. واحدة لنا وواحدة أرسلتها لحماتي وأخرى أخذتها لأمي عندما زرتها يوم الجمعة.. كنت محبَطة جدا فيما يبدو.. وسبب احباطي ليس له علاقة بمتاعب الأمومة الجديدة من تغيير حفاضات وحمام يومي وإطعام والتكيف مع مواعيد نوم مضطربة تماما، لأن كل هذا يتلاشى بمجرد أن يبتسم "تميم" وينظر لي بعيونه السوداء الواسعة في رضا.. من المؤكد أن للأمر علاقة بالحر الخانق هذه الأيام خاصة في شقتنا التي يبدو أنها "قبلية" وليست "بحرية" كما اعتقدت، قد يكون للأمر علاقة ببعض الهرمونات المجنونة كذلك أو بسبب التهاب سخيف في المفاصل يقيد حركتي ويضيق من صدري..

لكن الملفت حقا هو فيما آلت إليه علاقتي معه، وفيما صرت عليه أنا.. كيف أنني أصبحت بالنسبة له حقا مكتسبا.. وأنني لا يحق لي أن أتعب أو أرهق أو أنهار (ولو أن هذا يحدث كثيرا مؤخرا رغما عني).. كيف أنني تعبت من أن أشرح له أن الدنيا لا تسير وفق خطط مسبقة وأنني لست مجرد جزء من جدوله اليومي يلقي عليه التحية في الصباح على عجل من أمام الحاسب وفي المساء بسرعة قبل أن ينام..كيف يغيب الكلام ويسكت القلب..

في أثناء عمل الكعك أيضا، أتأمل في الطريقة التي يتبعثر بها يومي بعد قدوم "تميم".. أسعد بكل لحظة أقضيها مع الكائن الصغير.. بأنني لا أفقد أي حركة أو ابتسامة أو حتى دمعة..بل وأدون هذا كله.. أسعد بوجودي إلى جواره وقت احتياجه لي وبتلويح ذراعيه وتحريك قدميه في شوق عندما يرى وجهي ويشعر بوجودي.. لكن جزء مني يفتقد الصباحات العجولة والجرائد الصباحية والاجتماعات والكتابة (جدا).. أفتقد صديقة أحدثها في طريق العودة.. وفنجان قهوة مختلسة وحدي في مكان بعيد..

أتأمل أيضا في كيف أن المرأة تنضج قبل الرجل (أو تشيخ ربما؟).. ففي مسؤوليات الأمومة خبرات لا يتعلمها الرجل ولا يقع تحت وطأتها مهما فعل.. فهي تشعر دوما بأن هناك روح صغيرة تتعلق بها وتلازمها طوال الوقت.. هي التي تحفظ حركات طفلها وتفرق بين أنواع بكاؤه المختلفة.. تعلم أن البكاء المتقطع قد يعني المغص وأن البكاء بصوت هادئ قد يعني التعب والرغبة في النوم وأن هناك بكاء يحاكي النداء يطلقه الصغير وقت الجوع.. كل هذه حكم لا يتعلمها الأب ولو (حرف امتناع لامتناع) بعد حين..

عندما أصنع كعكة تسعد أمي وحماتي بالمفاجأة ويثنيان على حرفية الصنع في حين أستغرب الطريقة التي أوظف بها غضبي ووحدتي..صرت الآن أسأل نفسي كل مرة أزور فيها بيتا وتقدم ربته لي كعكة.. "تُرى....؟!"