Friday, November 12, 2010

هدى

هدى

إذا دخلتي عند هدى للمرة الأولى قد تستغربين الزحام، فهي ليست الكوافيرة الوحيدة في المنطقة، كما إن محلها يبدو متواضعا بالمقارنة بمحلات أخرى قريبة تزينها المرايات والبورسلين وتدفعين فيها 10 جنيهات كاملة مقابل تظبيط الحواجب. في البداية قد تتململين قليلا للوقت الذي ستقضينه في انتظار دورك عندها أيضا.

ستعرفين سبب الزحام بعد أن تنتهي هدى من الزبونة وتبتسمين للنتيجة التي ستكون من نصيبك بعد وقت قليل، كما أنك ستتسلين كثيرا هناك. أحد الأسباب في نجاح هدى هو مهارتها في عملها ونشاطها وتطويرها لأدواتها، فربما لا تتوقعين أنها تعرف شيئا عن ماسكات الشمع أو المكياجات الحديثة، إلا إنها تعرف.. ولإن امكانياتها المادية ليست هائلة، فإنها تخترع أجهزة وحلول بديلة للأجهزة الغالية التي لا تستطيع شراءها، والتي تعمل بدورها بكفاءة عالية. كما إنها تملأ المحل بالمنظفات وعبوات الكيك الجاهز وما شابة ذلك لمساعدة زبوناتها وللحصول على عمولة من الشركات المنتجة بالطبع. لكن أكثر ما يميز هدى في رأيي هو شخصيتها.. فهي سمراء وبدينة بدانة محببة ولا تحب النكد.

هدى بالنسبة لي مثلا اكتشاف.. فعندها أتدلل وأترك المسؤلية كاملة ولو لدقائق.. فحتى لو كان ابني معي فهي تهتم بملاحظته –هي وجيش النساء الموجود هناك بالطبع- واغراقي بالنصائح المفيدة جدا بشأن التعامل معه. أذكر مثلا إنها أعطني دفعة هائلة عندما كنت أفكر في ارساله للحضانة، قالت لي "وديه وماتخيبيش أمل الواد. خلي مخه ينور ويشوف العيال والناس. احنا بس من خوفنا اللي بنقعد عيالنا معانا لما وكسناهم. تصدقي وتؤمني بالله؟ اختي راحت الصين وشافت العيال بشتغلوا من وهما صغيرين.. بيتعلموا ويبيعوا اللي بيعملوه.. وديه واقضي حاجتك وشغلك..العيال طاقة ولازم يطلعوها في اللعب " طبعا لم أكن أجهل هذه المعلومات، لكنني كنت محتاجة لهذه الدفعة وهذه الصراحة والجرأة.

عند هدى أيضا أستمتع بالفضفضة، فما إن تبدأ هدى الكلام غالبا بنكتة أو تريقة على الحال العام، إلا وتجد كل النساء يتجاذبن أطراف الحديث وينخرطن في حوار طويل –ربما أطول من اللازم. فهناك يمكنك أن تحكي دون أن تخاف من أن يفضح سرك، ففرصتك في لقاء نفس مجموعة السيدات مرة أخرى نادرة، كما أننا نتمتع لحسن الحظ بذاكرة قصيرة المدى، وسننسى تلك الوجوه بعد أسبوع مع التفاؤل. يقولون أيضا إن الناس تفضفض مع أول غريب يقابلهم في محطة القطار، بدلا من الأصدقاء والاقرباء الذين يخضع الكلام معهم لحسابات أخرى. وجود هدى فاعل في هذه الحوارات الجانبية، فهي تجعل الجلسة خفيفة الدم، وتبعث في الحاضرين جرعات من طاقتها الإيجابية بقفشاتها الذكية و"تيشيرتها" مبهج اللون (أصفر أو برتقالي أو وردي فاقع وسعيد).

تتبني هدى الرأي الذي يقول إن حسني أحسن من غيره لإنه شبع، وإن العيشة صعبة، بس صعبة على الكل وإننا مصابون بداء السلبية. "لما الواحد بشوف ولا مؤاخذة الزبالة، مابيفكرش يشيلها، بيعمل نفسه مش شايف وبيرمي زبالته جنبها ف نص الشارع." لهذا تستفتي النساء هدى في العديد من الأمور، ويضربون معها صحوبية لا تتحقق في كوافيرات أخرى.. فواحدة كانت عند الجزار تطوعت بأن تدق لها الكفتة وأخرى تسألها باهتمام حقيقي عن مدرس إنجليزي لابنها، فهدى لديها ابن وابنة في الثانوية العامة (علمي وأدبي) وبالتالي فهي تعرف كل المدرسين الكويسين وكل "السناتر" –جمع سنتر- الجيدة والرخيصة والغالية ولكن تستحق..

في نهاية الحوار عادة ما تدعو هدى لنا ولها بعدم الحوجة لأحد أو لشيء، وهي دعوة قريبة جدا لقلبي وأرددها بصدق بيني وبين نفسي كثيرا. تتمنى هدى أن تذهب للحج، ولكنها تتساءل إذا ينفع أن تأخذ "العدة" معها.. "آخد الملقاط والفتلة وأقلب السكن هناك" نضحك وتقول واحدة "حرام عليكي عاوزة تبوظي الحجة من قبل ما ترجعي".. تستعجلها واحدة تريد أن تعمل حواجبها لإنها صائمة وتريد أن ترجع لتحضر الفطار في البيت.. نصمت ولا نعقب..

أخرج عادة من عند هدى مشحونة بطاقة أيجابية ولدي شعور بأن الدنيا لسة بخير، وأشعر كثيرا بأنني أتلكك لأعود لها بسرعة ولأي سبب..

Sunday, October 31, 2010

يا مين يقول لي قهوة..

بدأ نوع جديد من الادمان يسيطر علي.. فبعد كوب الشاي الصباحي المنعنع الذي كنت أستمتع به في بلكونتي الصغيرة، أصبحت القهوة اكتشافي الثاني المهم..

ينحصر الشاي بالنسبة لي في 4 أنواع.. شاي مضبوط وشاي منعنع وشاي بالقرنفل أو بالخوخ للدلع.. أول نوعان لزوم عدل الدماغ والثانيان خفيفان للمساء كجرعة ثانية أو مخففة بديلة للشاي الأول.. لا يعدلان دماغي.. أشربهما وأنام كطفلة..

صرت أتناول القهوة التركي يوميا بعد أن فقد الشاي –من فرط التعود- قدرته على "تنبيهي". عرفت إن القهوة أنواع.. وإنها تختلف بحسب درجة التحميص واللون والتحويجة والمكان.. اشتريت قهوة محوجة من "عبد المعبود" واعجبتني.. قهوة ثخينة ذات عقبى مُرّة.. قهوة تدعو للتأمل والحزن.. ففي الفترة بين بداية الرشفة ونهايتها، تدرك تماما أن المرارة ستصيبك وستأتيك من قلب المتعة وبعد احساسك بالسكر فورا..

بن آخر اشتراه لي زوجي عندما لاحظ ولعي المفاجيء بالقهوة.. تركية سادة وسط (ليست فاتحة جدا أو غامقة جدا).. قهوة تفقد وشها بسرعة إن لم تصبها في الوقت المناسب.. قهوة محايدة تماما؛ تعطيك لذة القهوة ولا تفاجئك بأي طعم مختلف في نهايتها.. قوة لبداية الصباح بشكل عملي.. قهوة خفيفة نسبيا.. تترك لك مجالا للتنفس..

وبخلافا القهوة التركي.. هناك الاسبريسو الذي جربته في محل حلويات في الزمالك.. الاسبريسو لم يروقني، ولكن التناقض بين الحلو والمر استهواني، لذا عندما عدت خبزت مجموعة من كيكات الشيكولاتة الصغيرة ووضعت فوقها كريمة شيكولاتة الـ"نوتيلا" لترافق القهوة السادة المذكورة آنفا.. مزاج معتدل ومتوازن جدا للصباح.. جرعات متساوية من الحلو والمر، من الحزن والسعادة، من القرب والبعد ..

جربت الاسبريسو مرة أخرى في البن البرازيلي بالاسكندرية منذ يومين.. قال لي زوجي إنه قرأ مقال يصف رائحة المكان برائحة الجنة.. ولأن اليوم كان طويلا.. جربنا الاسبريسو وعرجنا مرة أخرى لتجربة الكافية أوليه والكابتشينو.. استغربنا جدا للمحة السبرتو الملحوظة جدا جدا في القهوة (في كل نوع قهوة جربناه).. نظرنا حولنا ووجدنا أن الجميع يبدو مستمتعا بقهوته، وأن أحدا لم يتبرم.. قلت له "يمكن العيب فينا".. تركت قهوتي غاضبة وإن شربت جزء منها من باب الحاجة للكافيين.. ساعتها أدركت أن القهوة لابد أن تشرب عند الاشتهاء، وليس من باب العادة أو من باب الاحتياج إلى الكافيين.. وإلا أدت إلى نتائج عكسية.. وإن القهوة تخضع لمقاييس ذاتية خاصة وإن "طعم الجنة" لابد وأن يختلف من ذوق لآخر.
.
القهوة الفرنسية هي مزاجي الآن.. فحجمها مُرضِ جدا –فنجان كبير بلا اسراف- محايدة نسبيا وقوية- والأهم أنها لا تشبه القهوة سريعة الذوبان -(النسكافية) الذي يصيبني بالغثيان- في شيء.. اتبين فيها درجة التحميص والتمس فيها ملامح من البن العربي.. ولإنها تخرج مصفاة من "فلتر" في ماكينة مخصوصة، فتأتي لي رائقة وغامقة وعميقة.. ربما مثلي هذه الأيام..

اشترينا ماكينة القهوة الفرنسية من الاسكندرية.. والبن أيضا..لا أعرف سبب أصراري على شراء البن من هناك أيضا بالرغم من تخوفي من إصابته بلعنة السبرتو اياها (زعمت إن المشكلة في ماكينة طحن القهوة وليس البن بدليل تكرار الأمر في كل أنواع القهوة التي شربناها في ذلك اليوم).. ربما اشتريت البن من هناك لإن الاسكندرية –كالقهوة- مشتهاة أيضا؟ ربما رغبت في اجترار الاسكندرية مع كل رشفة قهوة بعد أن أعود إلى اكتئاب القاهرة حتى ولو بطعم السبرتو؟ ربما..

قهوتي يجب أن تشبهني.. وأنا الآن ناعسة ومرهقة ولا أرغب في التفكير في شيء..أرغب فقط في الاسترخاء وخلع حذائي والنظر للسقف.. لن أشرب أي قهوة اليوم.

Saturday, October 23, 2010

عودة الابنة الضالة

إلى أستاذ منير فوزي

مازالت رائحتك يا أستاذي كما هي.. مفعم أنت بالقهوة والسجائر كما عهدتك منذ كنت طفلة. علمتني اللغة العربية.. النحو والبلاغة والشجاعة والسياسة والحياة.. اعطيتني ميكروفونا ودفعتني أمام الناس وقلت "قدمي الإذاعة والحفلات المدرسية".. ربت على كتفي عندما حفظت أجزاء من القرآن.. وعندما غيّب الموت والدي، التمست فيك مثل أعلى حي.. كنت صاحب أول "برافو يا بنت" على أول موضوع تعبير حلو.. وأول ابتسامة فخر عند أول نجاح كبير..

كنت تلميذتك المدللة.. أعرف هذا جيدا.. وكنت تخصني بجرعات مكثفة من التشجيع والثقة بالنفس..وكنت أحب أن اسمعك وأنت تتحدث.. وعندما يعلو صوتك أثناء الشرح عند الحماس.. أو تنطلق منك ضحكة حقيقية على نكتة تأتي من وحي النص أو نكتة أخرى نلقيها نحن من باب "من شابه أباه فما ظلم"..

أذكر المرة الأولى التي التقيت فيها بأمي وبالتالي عرفتني بالاسم.. كنت لازلت في الابتدائية.. ثاني يوم دراسة.. لم اتمكن من السهر على نقل الفصل الأول من قصة "علاء الدين والمصباح السحري" في كراسة الواجب مرتين.. فذهبت إليك أمي –والتي تعمل كمدرسة أيضا- غاضبة من لا منطقية الأمر لتتحدث معك عن معنى أن تنقل طفلة صغيرة كل هذه الصفحات كواجب مدرسي لمادة واحدة فقط .. كان ردك أن "مستوى الفصل سيء والعيال محتاجة شغل من نار"، وكان ردها "أكيد ماعرفتش بنتي لسه"..

عرفتني وصرت طفلتك المدللة التي ترافقك كالخيال، وصارت المدرسة كلها تعرفني بصفتي الصغيرة النحيلة التي تتفزلك بشأن المجاز المرسل والخبر المقدم وتستطيع أن تقول "عسجد يتضرم" بل وتفهم معناها أيضا.. البنت بتاعه الإذاعة.. التي تلقي الشعر في حفلات المدرسة وينعوج فمها مرة كل أسبوع ليقدم الإذاعة باللغة الإنجليزية.. البنت التي تجرأت –بعد دفعة وترتيب منك طبعا- في أن تحاور مديرة المدرسة ذات الملامح التركية الصارمة والتي كان يعمل لها العيال ألف حساب في الميكروفون في صباح أحد الأيام..

حين نشرت كتابي منذ عامين، شعرت بأن هذا هو مجهودك أنت.. ولأنني لم أرك منذ دخولي الجامعة، كنت أشعر بأنني "ندلة" جدا.. ولكن كيف لي أن أعود بعد 8 سنوات من الغياب.. وكيف ستستقبلني.. وهل ستتذكرني؟ وماذا لو لمتني؟ لن اتحمل اللوم.. تكفيني هواجسي وعفاريتي التي سأقتلها حين أقرر أن القاك ثانية..

أعرف لماذا ابتعدت كل هذه الفترة.. على الأقل اصبحت أعرف الآن.. لم تكن أنت المقصود.. أو أي شخص آخر في الحقيقة.. لكنني كنت أريد أن اتخلص من الألم.. فقداني لوالدي في تلك الفترة هو ما جعلني امحي هذه الفترة من حياتي تماما.. كأنني لم أعشها.. أغرقت نفسي في تفاصيل الجامعة ثم العمل بعدها.. ظننت أنني امتلكت العالم وقتها أولا بانشغالي التام في الدراسة وثانيا بمقالاتي التي كنت أكتبها ونقودي التي اصرفها في المكتبة وعلى وهم الحياة الاجتماعية والاصحاب في سيلانترو أو كوستا أو أي عفريت أزرق آخر.. ومضيت وكأنه لم يكن ماض.. وكأنه لم يكن هناك ناس..

ولذلك عندما وجدني بعض الأصدقاء القدامي على الإنترنت الصيف الماضي –أي بعد مرور 10 سنوات على آخر مرة رأيتك فيها- وقالوا لي إنهم لايزالو على اتصال بك وإنهم يعرفون مكانك، تذكرت... وتذكرت.. وتذكرت...

حتى اسماء زملائي في الفصل.. الاسماء الثلاثية.. تذكرتها.. الملامح.. المدرسين..الفصول.. ال"ديسكات" كما كنا نسميها.. الفسحة.."بلاك شوز".. الوجع... والوحدة... والونس الحقيقي... تذكرت هذا كله، وقررت أن أعود.. ربما حتى كطيف أو شبح.. ولو لمرة واحدة...وكي لا ألوم نفسي على عدم المحاولة..

بالأمس اصطحبت تميم وأتيت لك.. لم تتغير ابدا! كيف هذا؟! أصبح البياض في شعرك هو السائد الآن فحسب.. لكنك أنت.. نفس الضحكة والود والكرم.. نفس الروح والملامح.. رحبت بعودة ابنتك الضالة وأخبرت تميم إن "ماما كانت اللباقة كلها" وكلمات مديح أخرى.. بالطبع اهتم تميم أكثر بالحلويات التي اعطيتها له ولم يفهم من كلامك حرفا.. لكنني أنا من سعدت به.. وازدات سعادتي عندما قلت لتميم "هاتجيلي"! ستكون محظوظا جدا يا تميم لو تحققت هذه النبوءة/الأمنية.. أطال الله في عمرك يا أستاذي ومدك بفيض من الصحة والرضا والناس..

عندما عرفتك على نفسي للمرة الثانية.. عرفتني على الفور.. قلت ليك "ولكنني تغيرت" فقلت لي "بس الملامح واحدة".
قلت لي "ليكي حد هنا؟" وكأنك استكثرت أن آتي لقائك فحسب، قلت لك "لأ. جيت عشان أسلم عليك بس".. قلت لي أنك تذكرتني منذ أسبوع –صدقا لا أعرف إن كان هذا حقيقي أم من باب المجاملة - وقلت لى إن الأجيال "تنهار".. أخبرتني بحكايات كثيرة تتذكرها عني وعن دفعتي وأنت تبتسم وتقول "والله زمان!" سألت عن أشخاص بعينهم وطلبت مني أن أذكرك بالمزيد من الأسماء.. دعوتني لحضور نص "الصغيران" وطلبت لي شايا.. قلت لطلابك مشيرا لكتابي ولي بإنني "بنتك" وإن تميم "حفيدك" وبإنني "تركيبة غريبة" من زمان.. ليست هذه هي المرة الأولى التي يصفني فيها أحد ب"الغريبة".. ولكنني هذه المرة شعرت فيها باطراء حقيقي، ولم اتعامل مع التعبير بتشكك كما كنت أفعل من قبل.. استمتعت بشرحك جدا –كالعادة وللأبد- وسعدت بنفسي لإنني استطعت –أخيرا- أن أأخذ هذه الخطوة وحدي..

أكتب الآن لأنني ممتنة.. ممتنة لك جدا.. ولتلك الأيام.. وللحلويات التي قدمتها لتميم.. ولذلك النص.. ولكوب الشاي المضبوط.. جدا..



Thursday, July 15, 2010

حال

زي ما تكون الأوتار اللي بتربطني بالأرض والناس بتتقطع بصوت نشاز خارم وداني

Sunday, June 13, 2010

داخلي خواء.. وكأنني لو مر الهواء مني سأسمع له صفير

Thursday, June 10, 2010

محاولات

قصيت شعري..
نزلت محل اتنين ونص واشتريت حاجات صغيرة مش مهمة لحد ومالهاش لازمة..
رحت المكتبة واشتريت كتب وقريتها..
لبست هدوم جميلة وحطيت ماكياج حلو..
جبت لنفسي ورد..
استحميت..
شفت فيلم حلو بتوصية من حد باحبه..
صليت..
قعدت مع أصحابي..وضحكنا..
اشتغلت..
خرجت مع جوزي وشربنا عصير قصب..
لعبت مع القط بتاعي..
شغلت مزيكا عالية باحبها وغنيت بصوت عالي زي المجانين..
نمت في حضن تميم..
طب ايه؟ ليه مش لاقية بداية ولا نهاية لأم السحابة السودا اللي معششة في قلبي دي!

Saturday, June 05, 2010

وتتلاقي الوشوش مرتين


شفتك النهاردة في نفس الشارع بعد عشرين سنة..
عرفتك على طول.. من مشيتك.. وتدويرة وشك.. وصوابعك الطويلة الرفيعة..

حاجة جوايا خليتني أبص ناحيتك كأني كنت حاسة إني هاشوفك..أنا أصلا بقالي كام يوم بافكر فيك أصلي كنت باقلب في الصور القديمة ولقيت صورة لينا سوا.. شفتك..حسيت إن ربنا بيكافئني على كام يوم تفكير فيك.. شفتك.. فروة راسي نملت! ارتبكت وحسيت كإني رجعت بنت في ثانوي تاني..

إنت كمان شفتني..ثبتت نظرك عليا ثواني.. عينيك الواسعة العميقة الغامقة دي اخترقتني.. انصهرت أنا.. ابتسمت نص ابتسامة كإني باقولك أيوة أنا! ازيك؟ عامل ايه؟ بتشتغل فين؟ اتجوزت؟ خلفت؟ مبسوط؟ نفسي تكون مبسوط..مراتك حلوة؟!

بس إنت على الأرجح معرفتنيش.. دورت وشك بسرعة وكملت طريقك.. يمكن عشان أنا تخنت شوية.. واتحجبت.. ويمكن كمان عشان كنت جاره العيال ورايا وشايلة أكياس الخضار.. بقى عندي ولدين وبنت.. اللي انت شفتهم معايا دول كانوا الولدين التوأم .. أما البنت فكنت سايباها عند ماما لحد ماجيب الولاد من المدرسة.. فاكر إنت ماما طبعا لما كانت بتقفشنا بنتكلم على التليفون بالساعات..

يعني.. أكيد مش دي آخر صورة فاكرها عني..معذور لو معرفتنيش.. بس إنت على فكرة شكلك زي ما هو..

يا ترى لسه بتحب المزيكا الحلوة؟ ولا دقنك اللي طولت دي منعتك من سماعها؟
يا ترى لسه فاكر رقم تيلفوني؟ أنا لسه حافظة رقمك على فكرة.. تحب اسمعهولك؟
يا ترى عملت ايه في الكتب اللي قريناها سوا؟ أنا سبتها ف البيت القديم.. جوزي ما بيحبش الكتب.. بيقول عليها بتكركب الدنيا وتلم التراب..

أنا كمان معادش عندي وقت.. ما بين الواد علاء وأيمن وسارة وجوزي والطبيخ والشغل.. يا دوبك أقرا سورة الكهف يوم الجمعة..
أصلها بتحمي البيت من الشيطان وبتطرد العفاريت.

عفاريت؟ فاكر لما قلت لك إن ماما بتقول على الأغاني اللي كنا بنسمعها عفاريت..هيهيهي.. طب أعمل ايه؟ ما هي اللي طالعالي من زمن نجاة الصغيرة وعبد الحليم.. ما استوعبتش أبدا إن يكون فيه أغنية اسمها

Scream
تلات ارباعها صريخ.. أعمل ايه ما هو ذنبك إنك عرفتني ع المزيكا العنيفة دي.. بس أنا كمان عرفتك على إذاعة البرنامج الأوروبي أيام برنامج هالة حشيش.. إنت عارف إني كلمتها مرة واهديت لك أغنية بعد ما موضوعنا خلص؟ أكيد ما سمعتهاش.. لإنك أكيد كنت هاتعيد التفكير في كل حاجة كانت بيننا بشكل مختلف..أنا حتى سجلت المكالمة على شريط بس مش عارفة ليه!

مممم... وأنا اللي عملت نفسي جدعة وقلت كل حاجة بيننا خلصت خصوصا لما عزلنا وركبنا تليفون جديد في البيت الجديد.. ما كلمتكش ولا قلتلك على مكاني ورقمي الجديد في الدنيا.. حصنت نفسي جامد من فكرة إني اشوفك أو اسمع صوتك وقلت انتهينا.. أمال ليه اتلخبطت كده لما شفتك النهاردة وبعد عشرين سنة؟

أصلا أصلا.. أكيد إنت مش إنت ولا أنا أنا.. الوقت بيغير.. أكيد إنت بقيت شخصية كريهة جدا..وأكيد صوتك مبقاش حنين وبقى خشن كده ووحش .. حتى صوابعك الرفيعة اللي كنت باحبها أكيد لو أنا دققت فيها هلاقيها تخنت حبة.. أنا حتى لو شفتك في الشارع مرة تانية كمان عشرين سنة ممكن يعني.. ممكن أدور وشي الناحية التانية أصلا..



Tuesday, May 25, 2010

بلكونات


أصبحت لدي طقوس يومية في البلكونة بسبب نبتاتي الموضوعة فيها.. أخرج كل صباح لنشر دفعة من الغسيل وري النباتات واللعب مع ابني ومع القط وشرب الشاي المنعنع.. أخرج دائما بإسدال الصلاة الموف لأنه الأسهل والأكثر ملاءمة.. ومن هنا اتابع طقوس أخرى في بلكونات أخرى..

في إحدي البلكونات المقابلة يخرج مراهق ضاقت عليه غرفته ليدخن السجائر وحسب.. لا شاي ولا قهوة ولا كتاب ولا حتى كرسي يجلس عليه.. يقف مائلا للأمام ويدخن في استمتاع يصلح لأجدع إعلان للحض على التدخين.. عادة ما يكون الوقت عصرا.. أو تقريبا في وقت قليلولة الوالدين.. أعرف من السلك الخارج من غرفته بأننا نشترك في شبكة إنترنت واحدة.. أحاول أن ابحث له في البلكونات الأخرى عن فتاة يحبها ولا أجد..

أما في البلكونة التي تقع تحتي فهناك ملابس صغيرة دائما معلقة على الأحبال.. هي لطفلة لم تتجاوز السنة بعد.. الملابس معظمها بمبى وكثيرة الكرانيش.. تشبه ملابس دمي الأطفال.. عندما تنشر جارتي الغسيل يحدث الأمر على عجل.. فعلى الأرجح البنت نائمة.. أو تلعب بالجوار والأم تخشي عليها من إبذاء نفسها.. لكم أود أن أنادي عليها مرة وأقول لها أنني أعرف ما تمر به وأعرفها على ابني وأمازحها وأقول لها إن غسيلها زي الفل.. لكني لا أفعل هذا أبدا..

وفي بلكونة أخرى مقابلة يخرج رجل عجوز وزوجته لإحتساء القهوة.. عادة ما تكون أمامهما سجادة تتشمس أخرجتها الخادمة ذلك الصباح.. وعادة أيضا لا تطول جلسة السيدة لإنها فيم يبدو تشكو آلام الظهر.. ويستمر الرجل في الجلوس حتى انتهاء الفنجان ويدخل.. غير ذلك تصخب البلكونة بعمل الخادمة النشيطة من تنفيض وتهوية وسائد ونشر غسيل إلخ..

لا يوجد في معظم البلكونات أي نباتات أو عصافير، بل معظمها مترب أو غير مستخدم.. والغسيل أحيانا ما يستقر على الأحبال لأيام وأيام.. ربما تعمل ربات تلك المنازل ولا يجدن وقتا لاستخدام البلكونات...مشفقة أنا على الكل اليوم.. على من يتركن بلكوناتهن هكذا لضغوط العمل، وعلى من تهتم بها مثلي بفعل الوحدة..

بلكونة أخري يقف عليها عصفور حيران.. في فمه قطعة خبز لا يدري أين يذهب بها.. يحلق جيئه وذهابا ويقف على التكييف المجاور لبلكونتنا.. اتركه يأكل في سلام وأضع له جرعة ماء بجوار نباتاتي وأدخل لأكمل يومي..

Thursday, April 29, 2010

خطوتي


النهاردة بس خدت بالي إني خطوتي اتغيرت، وإن مش دي المرة الأولى اللي خطوتي تتغير فيها.. وإن شكل خطوتي قال عني حاجات كتير يمكن ما كنتش واخدة بالي منها..

زمان خالص مكنتش باخطي، كنت بأقعد على رجل أبويا أو فوق كتافه، وانزل الأرض بسيط كده، بعدها أعيط يقوم أبويا رافعني..
كبرت حبة والخطوة مبقتش خطوة، بقت جري ولعب وبلاك شوز واستغماية ولمس الحمام..بقت خطوة جريئة مش هاممها حاجة.. بقت خطوة مبهورة بتتلكع قدام أي حاجة عشان تدقق فيها وتقول "ايه ده؟؟".. شجرة.. وردة.. دوم وحرنكش.. علم على سارية.. قلم رصاص..

في ثانوي بقيت بارجع من المدرسة لوحدي.. بالمواصلات كده من غير باص.. خطوة سريعة.. سريعة جدا.. ضامة الكشاكيل لصدري وخايفة.. باعدي من وسط العربيات وبنات مدرسة التجارة والأولاد اللي بيعاكسوهم وأنا خايفة أخبط في حد من كتر سرعتي.. ابتسم في سري على كلام أغنية حلوة وأسلم بعنيا على طيف لطيف واقفلي على أول الشارع..

في الجامعة خطوتي وسعت.. مسرح وسينما..مطاعم.. أماكن تانية غير المدرسة والبيت.. خطوة مرتاحة.. ساعات سريعة وساعات بطيئة.. سريعة لو كنت متأخرة على محاضرة، وبطيئة لو عندي وقت فاضي ورايحين أنا وأصحابي نعمل حاجة سوا..

في الشغل خطوتي تقلت، ومشواري كبر.. كان عناء عليا أقطع مشوار من شرق القاهرة لغربها كل يوم.. خطوة حاسة بالملل.. خطوة نعسانة بوش مبوز.. خطوة باخطيها وكأن رجليا متقيدة بحديد.. روتين روتين..

خطوتي وأنا حامل كانت تضحك.. عادي يعني زي كل خطوات الحوامل.. خطوة لاتنين.. واحد جوه وواحدة بره..

أما خطوتي دلوقت.. فساعات أجري لما تميم يحب يجري، وساعات أقف لما يكون بيتفرج على حاجة.. خطوتي عموما بقت أصغر، على قد رجل تميم.. أو بتكون أوسع ومرهقة شوية لما أشيله إذا تعب من المشي..


Monday, March 22, 2010

صفاء


ارتأى لي الله بداية مرضية لعامي السادس والعشرين، ففي يوم عيد ميلادي زرنا المشتل القريب واشترى لي زوجي ثلاث نبتات اخترتهم بعناية.. الأولى انتيميس لأن ورداتها البيضاء الصغيرة تبهجني.. والثانية روزماري لأنني أحب رائحتها وأحب استخدامها طازجة وخضراء في المطبخ.. والثالثة نعناع بلدي يرد الروح ويضبط الشاي..

كما حقق الله لي أمنية طفولتي.. قط صغير يحبني ويتدلل علي.. رفضت أمي فكرة القط طوال حياتي، "يا بنتي بتجيب عقم" وعندما ازداد الحاحي اكتفت بعصافير استرالية علقت اقفاصها أمام باب شقتنا القديمة لأنها تسبب العقم (أيضا!)).. والحقيقة أنني لم افكر مجددا في اقتناء حيوان أليف إلا بعد أن رأيت سعادة تميم بكلب رضوى.. ولأسباب تتعلق بالنظافة، استبعدنا فكرة الكلب.. وبدأت البحث عن قط ذكر صغير..كنت أبحث عن سيامي لأنه كثير الحركة.. لكنني غيرت رأيي عندما وجدته.. شيرازي مشمشي اللون عمره شهرين..

اليوم خرج ثلاثتنا.. تميم والقط وأنا للتمتع بشمس الصباح.. وضعت ورقة نعناع بلدي قطفتها لتوي في كوب الشاي وجلست على الأرض أراقب تميم وهو يتفرج على القط وهو يأكل.. يبتسم لي تميم ويشير للقط باندهاش.. انظر لهما ولنبتاتي الثلاث... يالله كم أنت كريم معي!

Tuesday, March 09, 2010

الهروب الكبير

كنت أفكر في المكان الذي يمكنني الذهاب إليه بتميم كنوع من أنواع التغيير المطلوب لي وله.. فكرت في النادي القريب، ولكن الجري المتواصل وراء تميم ليست مفهومي عن الراحة والتغيير.. بعدها فكرت في مطعم به مكان للعب الأطفال، وما بين نعم ولا، رن التليفون.. أمي قادمة.. "في الطريق يا توتة".. هكذا تحب أن تدللني..

ابتأست لالغاء فكرة الخروج والجلوس الإضطراري، والطهي المبكر ولأداء الواجبات المنزلية التي كنت سأرجئها لحين عودتي، ..وعندما اتت امي، لم أفكر.. طلبت منها الاعتناء بتميم وأن تسمح لي بالخروج.. استأذنت من زوجي أيضا..

ارتديت عباءتي الزرقاء وهي أسرع ما يمكنني ارتداؤه.. كما أنها رفيقتي في فترات اكتئابي، فهي واسعة ورحبة ولا تظهر عيوب جسد ما بعد الحمل والولادة أي لا تعطيني سببا إضافيا لأجلد عليه ذاتي..

انزلقت في العباءة بعد أن نويت أن أشوي الدجاجة- بطريقة جبل الملح- عند عودتي وأن أشتري علبة فاصوليا حمراء وذرة حلوة للسلطة.. هكذا أستطيع الخروج وتقديم الغذاء في الوقت الذي سيعود فيه زوجي بالضبط..

خرجت.. تنهدت وافسحت مكانا للهواء يملأ رئتي.. تنهدت أيضا لكل خطوة أخطوها بعيدا عن المنزل، فيبدو أن السيفونات ليست وحدها التي لا تعمل- السباكة كلها محتاجة "تتفور"! شعرت بسعادة مشوبة بالذنب لأنني هادئة وسعيدة هكذا بدون تميم.. ولكنني مؤمنة بأنه في مصلحة الجميع أن أكون سعيدة، وبصحة نفسية جيدة..

قادني فكري لمقهي قريب من المنزل.. اصطحبت معي سعاد ماسي وستينج وسماعة أذن وكتاب مريد البرغوثي الجديد.. الجو صاخب في المقهى وخانق خارجها.. ازدحام مروري غير طبيعي.. ازدحام لا استطيع تحديد أوله من آخره من وراء زجاج المقهي.. أضع السماعات وابدأ القراءة.. والانعزال.. إلى أن أصل للحظة التي لا تعنيني الضوضاء فيها ولا الزحام..

أنا لست هنا.. أنا في مكان آخر.. مع مريد في السيارة نخرج من حدود رام الله.. يا الله متى كانت آخر مرة قرأت فيها نهارا ولم يقاطعني فيها أحد! يفلسف مريد فنجان القهوة.. يقول أن القهوة توقيت "أعظم ما في القهوة (التوقيت)، أن تجدها في يدك فور أن تتمناها. فمن أجمل أناقات العيش، تلك اللحظة التي يتحول فيها (ترف) صغير إلى (ضرورة)." وبرغم هذا، لا أشتاق للقهوة، بل أطلب طبق سلطة.. طبق كبير ومبهج ومنعش.. خس طازج وفلفل أحمر وقطع دجاج وفوق الجميع ورقة بقدونس قطفت من عودها حالا.. ابتهج لمنظر الألوان وللطزاجة التي تطبطب بها المكونات على قلبي المترّب.. لكم أشتاق لشيء طازج في حياتي، حتى ولو كان طبق سلطة!

أعلم أنني صرت أتكلم عن الطعام كثيرا.. صرت أقول لنفسي أنني بدأت في التحول لكائن غريب- مدمن على صناعة الحلويات- وليس أكلها بالضرورة.. ومدمن على تجريب طرق الطهي الجديدة.. لكن أنا مع أي شيء جديد.. هوايتي الجديدة اصبحت التجريب.. والحقيقة أن مطبخي هو المكان الوحيد الذي لي فيه كامل السيطرة.. والنتائج تكون ملموسة ومحسوسة وجميلة تبهج أيامي الغامقة.. وتكسر روتين إجباري صرت أعيش فيه.. طبخ علاجي ربما!

أعرف أنني سأعود للمطبخ ولمهام تميم بعد ساعة من الآن، لكنني أعرف أن شيء ما، ولو كان صغيرا، بداخلي، سيتغير.

Sunday, February 28, 2010

السيفونات في بيتنا لا تعمل

منذ شهور لا أستطيع حصرها والسيفونات في بيتنا لا تعمل، حتى أنني نسيت هذا الأمر وتكيفت بوضع جردل ماء في الحمام الكبير وآخر في الحمام الصغير..

السيفونات في بيتنا لا تعمل.. فأنا لا أشكو ولا أتكلم.. وأنت لا تعتذر ولا تعترف بخطئك.. أنا ابتلع صمتي وصوتي.. وأنت لا تفهم ولا تتعاطف.. تتراكم الخيبات والحسرات والأوجاع..

السيفونات في بيتنا لا تعمل.. منذ شهور كثيرة.. لا أستطيح حصرها.. السيفونات لا تعمل ولابد من أن نستعين بسباك!

Monday, February 22, 2010

-1-



أضع السمن على النار والشعرية حتى يتحول لونها للأشقر.. أقلب الرز الأبيض المغسول معها وأضع الماء المغلي والملح..أقلب تقليبة خفيفة وسريعة بملعقتي الخشبية الرفيعة التي أحبها.. أغلق الحلة بسرعة.. اقلل النار..انتظر حتى تختفي المياه.. أضع الشياطة..

دائما ما أطبخ الأرز بهذه الطريقة، ودائما ما أتعامل معه بحساسية شديدة.. فلا يجوز أن تسبق خطوة، خطوة أخرى.. ولا يجوز أن ابتعد عن النار حتى لا يلتصق الأرز "بالقعر".. أو ازود المياه كي لا "يتعجن".. أو أقللها كي لا "يشيط"..نفس الطريقة.. كل يوم.... دون أن أفكر في البداية..

وأمي لم تعلمني طريقة طبخ الأرز، حيث كانت ترى في وقفتي في المطبخ اهدارا لوقتي ومذاكرتي وبالتالي حياتي ومستقبلي وتاريخي. جدي -والد أمي- هو من علمني طريقة عمل الارز. في أحد الأيام، لم تكن أمي قد عادت من عملها بعد، كنت أنا وأخي وحدنا في المنزل، وأتى هو. صار جدي يزورنا كثيرا بعد وفاة والدي، كان يقف مع أمي عندما يأتي السباك، وكان يبيت معنا عندما قررت أمي أن تأتي بعمال بناء لتدخل البلكونة الكبيرة داخل الشقة. كما كان يذهب معها إلى "مشاوير الكبار" التي عرفت بعد ذلك أنها تتعلق بالتأمينات الإجتماعية وأوراق إعلام الوراثة ثم يعزمها على طبق كشري من عند أبو عماد، والذي تقسم أمي بأنها لم تأكل كشري في حلاوته إلا عندما كانت تذهب مع جدي. المهم، أتى جدي، وكنا جائعين..

كنت وقتها في الثانية عشرة من عمرى.. وقفت إلى جواره وقلت له أنني حاولت أن أطبخ الأرز من قبل ولكنه فشل جدا- حيث تعجن بعضه في حين ظل الباقي نيئا! قال لي جدي أن الأرز حساس و"مابيحبش اللي ينكشه" لهذا فمن الأفضل أن أتركه لحاله على نار هاديه وتحته قطعة من الصاج.. اكلنا يومها صينية بطاطس مع الأرز.. طبخها جدي أيضا.. وكانت "شبعة بعد جوعة"..

لم يكن جدي من هواه المطبخ من البداية.. بل دخله ليساعد جدتي بعد أن مرضت وبعد أن زوَّج البنات.. أحلى أكل تأكله من يد جدي عندما يكون رائق البال، أوعندما يطبخ لأولاده أو لضيوف قادمين. كان مثال في الكرم، ومستحيل إن زرته أن تمشي دون أن تتناول معه الغداء وتشرب شايك المظبوط في البلكونة وتحلي بالبرتقال أو الموز.. اتذكر أنني دائما ما كنت اجد البرتقال والموز في بيت جدي..مع إنه أمر مخالف لقوانين الطبيعة ومواسم الفاكهة..

على أي حال، كبر جدي وكبرت جدتي ولم يعودا قادرين على مغادرة السرير.. مشاكل صحية متتالية منها سكر وضغط وكوليسترول وجلطة.. وكان الأولاد والبنات يتناوبون على الخدمة وتقديم الأدوية والطعام وفقا لجدول دقيق.. وكانت هناك بعض الأيام التي لم يتمكن فيها الأولاد من الذهاب، فيأتي دور الأحفاد.. ولأن الاحفاد صغار فيقتصر دورهم على المجالسة والاستماع إلى الحواديت أو النظر في الأجندات القديمة التي ملأها جدي بأرقام تليفونات لا نهائية ووصفات طبخ ووصفات اخرى للعلاج بالأعشاب.. كان هناك أيضا خيار اللعب في الكومودينو القديم الذي تحتفظ فيه جدتي بالصور الأبيض والأسود..

جاء دوري في الذهاب لبيت جدي، وعندما وصلت وجدت أمامهما طبق فول بائت به قطعة جبن قديمة.. فول مغضن وعجوز وبارد وقطعة جبن صغيرة لا تكفي طفل.. طبعا لم يأت أحد من الأبناء اليوم وبالتالي لم يكن هناك طعام ساخن أو حتى مناسب، ولكنهما كانا راضيين "يا ستي ماحنا ياما كلنا".. حدثاني عن الدرب الأحمر –مكان اقامتهما القديم- وعن السوق ومحلات البقالة هناك.. قالا لي أن الجميع كان يأكل الفول، وأنه لم يكن هناك فارق اجتماعي كبير بين الناس كما هو الحال الآن وأن من كان يشتري بتعريفة حلاوة من عند عم حسن البقال "يبقى ابوه وزير".. وأن الشارع كان يطلق على اللانشون في أول ظهوره "جبنة لانشون" لاعتقادهم بأنه نوع من أنواع الجبن.. ضحكت..

وبعد أن انتهت الحكايات والأدوية.. تسللت إلى المطبخ لأعد لهما غداء ساخن.. كانت تجربتي الأولى في الطبخ.. صينية بطاطس وأرز كان قد علمها لي جدي..