Monday, February 22, 2010

-1-



أضع السمن على النار والشعرية حتى يتحول لونها للأشقر.. أقلب الرز الأبيض المغسول معها وأضع الماء المغلي والملح..أقلب تقليبة خفيفة وسريعة بملعقتي الخشبية الرفيعة التي أحبها.. أغلق الحلة بسرعة.. اقلل النار..انتظر حتى تختفي المياه.. أضع الشياطة..

دائما ما أطبخ الأرز بهذه الطريقة، ودائما ما أتعامل معه بحساسية شديدة.. فلا يجوز أن تسبق خطوة، خطوة أخرى.. ولا يجوز أن ابتعد عن النار حتى لا يلتصق الأرز "بالقعر".. أو ازود المياه كي لا "يتعجن".. أو أقللها كي لا "يشيط"..نفس الطريقة.. كل يوم.... دون أن أفكر في البداية..

وأمي لم تعلمني طريقة طبخ الأرز، حيث كانت ترى في وقفتي في المطبخ اهدارا لوقتي ومذاكرتي وبالتالي حياتي ومستقبلي وتاريخي. جدي -والد أمي- هو من علمني طريقة عمل الارز. في أحد الأيام، لم تكن أمي قد عادت من عملها بعد، كنت أنا وأخي وحدنا في المنزل، وأتى هو. صار جدي يزورنا كثيرا بعد وفاة والدي، كان يقف مع أمي عندما يأتي السباك، وكان يبيت معنا عندما قررت أمي أن تأتي بعمال بناء لتدخل البلكونة الكبيرة داخل الشقة. كما كان يذهب معها إلى "مشاوير الكبار" التي عرفت بعد ذلك أنها تتعلق بالتأمينات الإجتماعية وأوراق إعلام الوراثة ثم يعزمها على طبق كشري من عند أبو عماد، والذي تقسم أمي بأنها لم تأكل كشري في حلاوته إلا عندما كانت تذهب مع جدي. المهم، أتى جدي، وكنا جائعين..

كنت وقتها في الثانية عشرة من عمرى.. وقفت إلى جواره وقلت له أنني حاولت أن أطبخ الأرز من قبل ولكنه فشل جدا- حيث تعجن بعضه في حين ظل الباقي نيئا! قال لي جدي أن الأرز حساس و"مابيحبش اللي ينكشه" لهذا فمن الأفضل أن أتركه لحاله على نار هاديه وتحته قطعة من الصاج.. اكلنا يومها صينية بطاطس مع الأرز.. طبخها جدي أيضا.. وكانت "شبعة بعد جوعة"..

لم يكن جدي من هواه المطبخ من البداية.. بل دخله ليساعد جدتي بعد أن مرضت وبعد أن زوَّج البنات.. أحلى أكل تأكله من يد جدي عندما يكون رائق البال، أوعندما يطبخ لأولاده أو لضيوف قادمين. كان مثال في الكرم، ومستحيل إن زرته أن تمشي دون أن تتناول معه الغداء وتشرب شايك المظبوط في البلكونة وتحلي بالبرتقال أو الموز.. اتذكر أنني دائما ما كنت اجد البرتقال والموز في بيت جدي..مع إنه أمر مخالف لقوانين الطبيعة ومواسم الفاكهة..

على أي حال، كبر جدي وكبرت جدتي ولم يعودا قادرين على مغادرة السرير.. مشاكل صحية متتالية منها سكر وضغط وكوليسترول وجلطة.. وكان الأولاد والبنات يتناوبون على الخدمة وتقديم الأدوية والطعام وفقا لجدول دقيق.. وكانت هناك بعض الأيام التي لم يتمكن فيها الأولاد من الذهاب، فيأتي دور الأحفاد.. ولأن الاحفاد صغار فيقتصر دورهم على المجالسة والاستماع إلى الحواديت أو النظر في الأجندات القديمة التي ملأها جدي بأرقام تليفونات لا نهائية ووصفات طبخ ووصفات اخرى للعلاج بالأعشاب.. كان هناك أيضا خيار اللعب في الكومودينو القديم الذي تحتفظ فيه جدتي بالصور الأبيض والأسود..

جاء دوري في الذهاب لبيت جدي، وعندما وصلت وجدت أمامهما طبق فول بائت به قطعة جبن قديمة.. فول مغضن وعجوز وبارد وقطعة جبن صغيرة لا تكفي طفل.. طبعا لم يأت أحد من الأبناء اليوم وبالتالي لم يكن هناك طعام ساخن أو حتى مناسب، ولكنهما كانا راضيين "يا ستي ماحنا ياما كلنا".. حدثاني عن الدرب الأحمر –مكان اقامتهما القديم- وعن السوق ومحلات البقالة هناك.. قالا لي أن الجميع كان يأكل الفول، وأنه لم يكن هناك فارق اجتماعي كبير بين الناس كما هو الحال الآن وأن من كان يشتري بتعريفة حلاوة من عند عم حسن البقال "يبقى ابوه وزير".. وأن الشارع كان يطلق على اللانشون في أول ظهوره "جبنة لانشون" لاعتقادهم بأنه نوع من أنواع الجبن.. ضحكت..

وبعد أن انتهت الحكايات والأدوية.. تسللت إلى المطبخ لأعد لهما غداء ساخن.. كانت تجربتي الأولى في الطبخ.. صينية بطاطس وأرز كان قد علمها لي جدي..

19 comments:

احمد أبو العلا said...

حمداً لله على سلامتك
وربنا يخللى جدك وجدتك
ما كتبته جميل ورائق أرجو ألا تغيبى كثيراً عن التدوين
تحياتى لك ولتميم

أبو كريم said...

عودا حميدا ولكم طال شوقنا لرؤيه الجديد منك.... حفظ الله الجد والجده وانار الله طريقهما إليه وفعلا الارز حساس ومبيحبش الى ينكش فيه...حفظ الله لك تميم ولا تغيبى عن التدويين كثيرا لان تدويناتك القديمه كانت الباعث لى ( بالله العظيم أقسم) على دخول هذا العالم


تحياتى
أبو كريم ( بهاء سابقا)

وشوشات said...

سلمت يداكي يا غادة
انا حبيت البوست ده و حبيت جدك و جدتك اوي كمان :)

محمد عبد الغفار said...

كيف تستطيعين ضخ كل هذا الدفئ فى كلماتك

ربنا يحميكى ويخلى لك جدك وجدتك وتميم وصاحب القميص ابو خطين خضر

حنين said...

حلوة أوي يا غادة :)
جبت
besame' mucho
مخصوص عشان أسمعها وأنا باقرالك!
تسلم إيدك :)

alyhazzaa said...

شكرا لكي لانك تزويدينا دائما بمشاعر رقيقة في زمن خشن
=)

Shaimaa said...

حمدلله على السلامة.. ومتغبيش علينا تانى بكتاباتك الحلوة دى

بياترتس said...

حنين أوي البوست ده

كلام وخلاص said...

الله

مصطفى السيد سمير said...

تتعاملين مع الناس والكتابة والذكريات بنفس تعاملك مع الرز
نفس الحنان

إيمان محمد said...

عدت أخيرا يا أ/غادة أنا بحبك جدا وبحب أقرأ لك وأتمنى انك تقرأيلي و تشرفيني في المقالات الصحفية اللي نشرتهافي
موقع بص وطل
رابطة المقال

http://www.boswtol.com/self-development/personality-self-help/10/february/15/8325

المقال الثاني

http://www.boswtol.com/self-development/personality-self-help/10/february/22/8705

ويا ريت تعلقيلي هناك

منتظراكي يا جميل وشكرا لك

إيمان حسني صحفية في بص وطل

هبة المنصورى said...

:) أفهم من رقم 1 -عنوان التدوينة-إنها سلسلة .. ماشي! أنا معاكي
وهادياكي غنوة
Reflection
http://www.youtube.com/watch?v=SnXTH88AHqM

جت على بالي لما شفت الستيتس اللي على جنب

باموت أنا بقى في مرحلة تحول الشعيرية إلى اللون الذهبي.. جربتيها بقى لوحدها كده؟ بدون رز؟ مش عارفه ساعات لما باحمرها كده ف السمنة قبل ماضيف المية المغلية والملح وأسيبها تستوي وتفلفل براحتها.. باحس إنها فيها شبه كبير مني.. بدون رز بس خفيفة كده وروحها حلوة
:)
حمدالله ع السلامة يا غاده
وهاحضر كشكول الوصفات بتاعي عشان التدوينات الجايه

anawafkary said...

كالعادة أسلوبك ساحر يا غادة و كالعادة باغرق في التفاصيل الجميلة اللي بتملا كتاباتك

تحياتي

mayoy said...

AWESOME .. made feel so warm ....
di awel tadwina tektebiha mn sa3et ma bada2t atab3e el modawwana beta3tek aslan ... w 5alleteni a7es enny mabsoota awi ... bgad keep it up ., w mat3'ebeesh keteer tany keda ... ana masadda2tesh aslan lama fata7t el modawwana vel sodfa w la2et el 3enwan et3'ayyar w feeh tadwina gdeeda nezlet :):):):)

حامد said...

عودا حميدا ..

يقول أنى امرأة said...

حمد لله على السلامه

shereen said...

نص دافي أوي... ياريت ما تغيبيش كتير علينا

Kareem Brakat said...

عذوبة نصوصك ورقتها تشي بكاتبه عبقرية وساحرة
وجدت مدونتك صدفة منذ 5سنوات ومن يومها وانا مدمن عليها أصاب بنوبات الادمان إن غبت عنا ولم أستطع أن أتنفس عبق كلماتك الساحرة
برغم اني لاأعلق كثيرا لكني دائم الزيارة أحصل على جرعتي وأرحل منتشيا في صمت لكن النص هذه المرة أجبرني على التعليق من فرط عذوبته كما أنه جاء على إشتياق
.


عودا أحمدا ونرجوك ألا تغيبي عنا مثل هذه المدة مرة أخرى
تحياتي

عصفور طل من الشباك said...

الجد والجدة هما نعمة الله للأبناء

بجد عمري ما حسيت قد إيه بحب حد أوي وبجله جدًا وفي نفس الوقت برفق بيه وأعطف عليه زي الجدين

إحساسنا بيهم بيكون ما بين إحساس البنوة والأمومة أو الأبوة