Tuesday, March 09, 2010

الهروب الكبير

كنت أفكر في المكان الذي يمكنني الذهاب إليه بتميم كنوع من أنواع التغيير المطلوب لي وله.. فكرت في النادي القريب، ولكن الجري المتواصل وراء تميم ليست مفهومي عن الراحة والتغيير.. بعدها فكرت في مطعم به مكان للعب الأطفال، وما بين نعم ولا، رن التليفون.. أمي قادمة.. "في الطريق يا توتة".. هكذا تحب أن تدللني..

ابتأست لالغاء فكرة الخروج والجلوس الإضطراري، والطهي المبكر ولأداء الواجبات المنزلية التي كنت سأرجئها لحين عودتي، ..وعندما اتت امي، لم أفكر.. طلبت منها الاعتناء بتميم وأن تسمح لي بالخروج.. استأذنت من زوجي أيضا..

ارتديت عباءتي الزرقاء وهي أسرع ما يمكنني ارتداؤه.. كما أنها رفيقتي في فترات اكتئابي، فهي واسعة ورحبة ولا تظهر عيوب جسد ما بعد الحمل والولادة أي لا تعطيني سببا إضافيا لأجلد عليه ذاتي..

انزلقت في العباءة بعد أن نويت أن أشوي الدجاجة- بطريقة جبل الملح- عند عودتي وأن أشتري علبة فاصوليا حمراء وذرة حلوة للسلطة.. هكذا أستطيع الخروج وتقديم الغذاء في الوقت الذي سيعود فيه زوجي بالضبط..

خرجت.. تنهدت وافسحت مكانا للهواء يملأ رئتي.. تنهدت أيضا لكل خطوة أخطوها بعيدا عن المنزل، فيبدو أن السيفونات ليست وحدها التي لا تعمل- السباكة كلها محتاجة "تتفور"! شعرت بسعادة مشوبة بالذنب لأنني هادئة وسعيدة هكذا بدون تميم.. ولكنني مؤمنة بأنه في مصلحة الجميع أن أكون سعيدة، وبصحة نفسية جيدة..

قادني فكري لمقهي قريب من المنزل.. اصطحبت معي سعاد ماسي وستينج وسماعة أذن وكتاب مريد البرغوثي الجديد.. الجو صاخب في المقهى وخانق خارجها.. ازدحام مروري غير طبيعي.. ازدحام لا استطيع تحديد أوله من آخره من وراء زجاج المقهي.. أضع السماعات وابدأ القراءة.. والانعزال.. إلى أن أصل للحظة التي لا تعنيني الضوضاء فيها ولا الزحام..

أنا لست هنا.. أنا في مكان آخر.. مع مريد في السيارة نخرج من حدود رام الله.. يا الله متى كانت آخر مرة قرأت فيها نهارا ولم يقاطعني فيها أحد! يفلسف مريد فنجان القهوة.. يقول أن القهوة توقيت "أعظم ما في القهوة (التوقيت)، أن تجدها في يدك فور أن تتمناها. فمن أجمل أناقات العيش، تلك اللحظة التي يتحول فيها (ترف) صغير إلى (ضرورة)." وبرغم هذا، لا أشتاق للقهوة، بل أطلب طبق سلطة.. طبق كبير ومبهج ومنعش.. خس طازج وفلفل أحمر وقطع دجاج وفوق الجميع ورقة بقدونس قطفت من عودها حالا.. ابتهج لمنظر الألوان وللطزاجة التي تطبطب بها المكونات على قلبي المترّب.. لكم أشتاق لشيء طازج في حياتي، حتى ولو كان طبق سلطة!

أعلم أنني صرت أتكلم عن الطعام كثيرا.. صرت أقول لنفسي أنني بدأت في التحول لكائن غريب- مدمن على صناعة الحلويات- وليس أكلها بالضرورة.. ومدمن على تجريب طرق الطهي الجديدة.. لكن أنا مع أي شيء جديد.. هوايتي الجديدة اصبحت التجريب.. والحقيقة أن مطبخي هو المكان الوحيد الذي لي فيه كامل السيطرة.. والنتائج تكون ملموسة ومحسوسة وجميلة تبهج أيامي الغامقة.. وتكسر روتين إجباري صرت أعيش فيه.. طبخ علاجي ربما!

أعرف أنني سأعود للمطبخ ولمهام تميم بعد ساعة من الآن، لكنني أعرف أن شيء ما، ولو كان صغيرا، بداخلي، سيتغير.

14 comments:

Super Sara said...

و كأنك في ذورة الحديث و فضفضة القلب الذي انفتح بعد طول انغلاق ..
انكمشتِ و تواريتِ سريعاً خلف الباب الذي قررتي اغلاقه بعد أن فتحتيه للحظات ...
شعرت بأن جزء من اليوم .. جزء من الكلام مبتـور

رغم نجاحك في اختيـار الختام أو الانسحاب

كنت أود قراءة المزيد :)

شكراً يا توتة
و لكن نطمع بالمزيد ..

:

إنـســـانـة said...

غادة .. تمردي ولا تستسلمي

ممكن فى عز وجودك مع تميم تبقى فى أعماق أعماق نفسك

هكذا تعلمت من الحياة التي قد لا تعطينا كل ما نتمناه .. فقد تغمرنا بالزحام حينما نريد الخلوة والعكس وارد أيضاً

حاولي وجربي .. قسمي القراية ولو صفحة كل كام ساعة ولو اليوم خلص بصفحتين يبقى كويس مع الوقت حيزيدوا جامد

وكمان تميم لازم يتعلم يشوفك بتقري ويقعد جمبك يقرا حاجة مناسبة له

حاولي تشوفي مكتبة عامة تشتركوا فيها سوا أو تنقلي المكتبة دي عندك فى البيت

وممكن تقفلوا عليكوا أوضة فى الشقة ويقعد يلعب جمبك وانتى تقعدي مع كتابك وفى ودانك الأغاني وتنفصلي عنه تماما وهو قدام عينك

أكيد اقتراحاتي مش حتبقى بقوة الطرق اللى ممكن تخترعيها انتي عشان تبقي سعيدة

اتمردي يا غادة بجد

ناضلي عشان ماتعديش عليكي لحظة واحدة غير وانتى سعيدة ومبسوطة حتى لو بتعملي اللى متعودة تعمليه كل يوم

عاااااافري .. عااااافري أوي واوعي تستسلمي بجد

radwa osama said...

حضن كبير

لازم اشوفك يا بنت
قوليلى كتاب مريد طبعة ايه وبيتجاب منين

Ruty said...

to7fa ya ghada , 7elwa awy

Tany , tany , plz

Shaimaa said...

حياتك كانت صاخبة بعمل وكتابات بالمدونة وكتاب منشور... وحفلات توقيع...
أنا يختفى كل هذا الصخب وينحصر فى تميم والمطبخ .... أكيد شعور صعب جدا جدا جدا... وأحيانا يكون هذا التغيير السبب المباشر وراء اكتئاب ما بعد الولادة

حاولى تغيرى رتم حياتك... حاولى تخرجى... استعينى بأكل جاهز يوم أو اتنين من الأسبوع.. ويا حبذا لو رجعتى الشغل تانى وسيبتى تميم عند مامتك ... هتحسى بالتغيير صح
بالتوفيق ... ومتغيبيش تانى... كتاباتك بتوحشنا

anawafkary said...

ستظلي و لازلتي غاجة التي كانت تقضي ساعات في المواصلات و لكنها تتلمس الأشياء الجميلة البسيطة في حياتها

ستظلي العين التي نعرف بها أن الشعرية شقراء, و الطزاجة تطبطب على مكونات السلطة

خالص تحياتي و دعائي
:)

Anonymous said...

غريب كيف بدأ الطبخ معك "كفعل حب" و تحول لنوع من انواع العلاج البديل
اكتبي المزيد
سمر

moey said...

طول عمرى مقتنعة إن الأفعال البسيطة نتائجها أكبر و يمكن أعمق من الأفعال الكبيرة، يعنى تأثير مشوار صغير زى إلى عملتى يمكن يكون أكتر من تأثير أسبوع أجازة. إلجئى علطول لماما و الأشخاص المقربين و امنحى نفسك اللحظات القليلة دى، عشانك و عشانهم.

ملحوظة: أنا كمان عايزة أعرف اسم الكتاب :)

مختلف دوت كوم said...

مقالتك حركت ساكنا بداخلي و تخيلت نفسي مكانك و لكن طالما أن هناك الله فيوجد رحمة و أمل في الغد

shereen said...

برافو عليكِ... اوعي تستسلمي

عبير... said...

أنت إنسانة جميلة الروح يا غادة... والهروب الكبير ليس إلا شيئا من الانحياز لحزب "الطبطبة" على النفس ..:)

مدونتي:)
http://lailatoghanni.blogspot.com/

sab7al5air said...

حلو البوست عجبني فيه البوح وانك عرفتي انك محتاجه تطلعي وتاخدي اجازه امومه
تحياتي

Rana said...

أنا بقالي كتير بدور على مدونتك لأنها ضاعت مني من فترة.

وبعدين عثرت عليكي الحمد لله، ماتضيعيش تاني والنبي :)

كتابك كل فترة بطلعه وأقراه، بحبه.

وبعدين كتاب مريد الجديد عاجبني برضه :)

بشكرك لأنك لسة بتكتبي يا غادة.

Räumung said...

موفقيييييييييين .... اختيار موفق :)

Räumung
Räumung Wien
entsorgung wien