Saturday, October 23, 2010

عودة الابنة الضالة

إلى أستاذ منير فوزي

مازالت رائحتك يا أستاذي كما هي.. مفعم أنت بالقهوة والسجائر كما عهدتك منذ كنت طفلة. علمتني اللغة العربية.. النحو والبلاغة والشجاعة والسياسة والحياة.. اعطيتني ميكروفونا ودفعتني أمام الناس وقلت "قدمي الإذاعة والحفلات المدرسية".. ربت على كتفي عندما حفظت أجزاء من القرآن.. وعندما غيّب الموت والدي، التمست فيك مثل أعلى حي.. كنت صاحب أول "برافو يا بنت" على أول موضوع تعبير حلو.. وأول ابتسامة فخر عند أول نجاح كبير..

كنت تلميذتك المدللة.. أعرف هذا جيدا.. وكنت تخصني بجرعات مكثفة من التشجيع والثقة بالنفس..وكنت أحب أن اسمعك وأنت تتحدث.. وعندما يعلو صوتك أثناء الشرح عند الحماس.. أو تنطلق منك ضحكة حقيقية على نكتة تأتي من وحي النص أو نكتة أخرى نلقيها نحن من باب "من شابه أباه فما ظلم"..

أذكر المرة الأولى التي التقيت فيها بأمي وبالتالي عرفتني بالاسم.. كنت لازلت في الابتدائية.. ثاني يوم دراسة.. لم اتمكن من السهر على نقل الفصل الأول من قصة "علاء الدين والمصباح السحري" في كراسة الواجب مرتين.. فذهبت إليك أمي –والتي تعمل كمدرسة أيضا- غاضبة من لا منطقية الأمر لتتحدث معك عن معنى أن تنقل طفلة صغيرة كل هذه الصفحات كواجب مدرسي لمادة واحدة فقط .. كان ردك أن "مستوى الفصل سيء والعيال محتاجة شغل من نار"، وكان ردها "أكيد ماعرفتش بنتي لسه"..

عرفتني وصرت طفلتك المدللة التي ترافقك كالخيال، وصارت المدرسة كلها تعرفني بصفتي الصغيرة النحيلة التي تتفزلك بشأن المجاز المرسل والخبر المقدم وتستطيع أن تقول "عسجد يتضرم" بل وتفهم معناها أيضا.. البنت بتاعه الإذاعة.. التي تلقي الشعر في حفلات المدرسة وينعوج فمها مرة كل أسبوع ليقدم الإذاعة باللغة الإنجليزية.. البنت التي تجرأت –بعد دفعة وترتيب منك طبعا- في أن تحاور مديرة المدرسة ذات الملامح التركية الصارمة والتي كان يعمل لها العيال ألف حساب في الميكروفون في صباح أحد الأيام..

حين نشرت كتابي منذ عامين، شعرت بأن هذا هو مجهودك أنت.. ولأنني لم أرك منذ دخولي الجامعة، كنت أشعر بأنني "ندلة" جدا.. ولكن كيف لي أن أعود بعد 8 سنوات من الغياب.. وكيف ستستقبلني.. وهل ستتذكرني؟ وماذا لو لمتني؟ لن اتحمل اللوم.. تكفيني هواجسي وعفاريتي التي سأقتلها حين أقرر أن القاك ثانية..

أعرف لماذا ابتعدت كل هذه الفترة.. على الأقل اصبحت أعرف الآن.. لم تكن أنت المقصود.. أو أي شخص آخر في الحقيقة.. لكنني كنت أريد أن اتخلص من الألم.. فقداني لوالدي في تلك الفترة هو ما جعلني امحي هذه الفترة من حياتي تماما.. كأنني لم أعشها.. أغرقت نفسي في تفاصيل الجامعة ثم العمل بعدها.. ظننت أنني امتلكت العالم وقتها أولا بانشغالي التام في الدراسة وثانيا بمقالاتي التي كنت أكتبها ونقودي التي اصرفها في المكتبة وعلى وهم الحياة الاجتماعية والاصحاب في سيلانترو أو كوستا أو أي عفريت أزرق آخر.. ومضيت وكأنه لم يكن ماض.. وكأنه لم يكن هناك ناس..

ولذلك عندما وجدني بعض الأصدقاء القدامي على الإنترنت الصيف الماضي –أي بعد مرور 10 سنوات على آخر مرة رأيتك فيها- وقالوا لي إنهم لايزالو على اتصال بك وإنهم يعرفون مكانك، تذكرت... وتذكرت.. وتذكرت...

حتى اسماء زملائي في الفصل.. الاسماء الثلاثية.. تذكرتها.. الملامح.. المدرسين..الفصول.. ال"ديسكات" كما كنا نسميها.. الفسحة.."بلاك شوز".. الوجع... والوحدة... والونس الحقيقي... تذكرت هذا كله، وقررت أن أعود.. ربما حتى كطيف أو شبح.. ولو لمرة واحدة...وكي لا ألوم نفسي على عدم المحاولة..

بالأمس اصطحبت تميم وأتيت لك.. لم تتغير ابدا! كيف هذا؟! أصبح البياض في شعرك هو السائد الآن فحسب.. لكنك أنت.. نفس الضحكة والود والكرم.. نفس الروح والملامح.. رحبت بعودة ابنتك الضالة وأخبرت تميم إن "ماما كانت اللباقة كلها" وكلمات مديح أخرى.. بالطبع اهتم تميم أكثر بالحلويات التي اعطيتها له ولم يفهم من كلامك حرفا.. لكنني أنا من سعدت به.. وازدات سعادتي عندما قلت لتميم "هاتجيلي"! ستكون محظوظا جدا يا تميم لو تحققت هذه النبوءة/الأمنية.. أطال الله في عمرك يا أستاذي ومدك بفيض من الصحة والرضا والناس..

عندما عرفتك على نفسي للمرة الثانية.. عرفتني على الفور.. قلت ليك "ولكنني تغيرت" فقلت لي "بس الملامح واحدة".
قلت لي "ليكي حد هنا؟" وكأنك استكثرت أن آتي لقائك فحسب، قلت لك "لأ. جيت عشان أسلم عليك بس".. قلت لي أنك تذكرتني منذ أسبوع –صدقا لا أعرف إن كان هذا حقيقي أم من باب المجاملة - وقلت لى إن الأجيال "تنهار".. أخبرتني بحكايات كثيرة تتذكرها عني وعن دفعتي وأنت تبتسم وتقول "والله زمان!" سألت عن أشخاص بعينهم وطلبت مني أن أذكرك بالمزيد من الأسماء.. دعوتني لحضور نص "الصغيران" وطلبت لي شايا.. قلت لطلابك مشيرا لكتابي ولي بإنني "بنتك" وإن تميم "حفيدك" وبإنني "تركيبة غريبة" من زمان.. ليست هذه هي المرة الأولى التي يصفني فيها أحد ب"الغريبة".. ولكنني هذه المرة شعرت فيها باطراء حقيقي، ولم اتعامل مع التعبير بتشكك كما كنت أفعل من قبل.. استمتعت بشرحك جدا –كالعادة وللأبد- وسعدت بنفسي لإنني استطعت –أخيرا- أن أأخذ هذه الخطوة وحدي..

أكتب الآن لأنني ممتنة.. ممتنة لك جدا.. ولتلك الأيام.. وللحلويات التي قدمتها لتميم.. ولذلك النص.. ولكوب الشاي المضبوط.. جدا..



22 comments:

Markos said...

7lwa awy ya ghada .. aw3y tet25ry 3alina keda tany .. mesh masmo7lek :D
wa7shtena

محمد جمعه said...

الاستاذه غاده تحياتى واحترامى الجم
البوست رائع واجمل ما فيه انك فكرتينى بمدرسين من نوعيه خاصه مش موجودين دلوقتى فى وسط تجار العلم بتوع الدروس الخصوصيه
تحياتى ليكى وللاستاذ منير وتميم طبعا

radwa osama said...

بوستك اجمل مفاجاه على الصبح
ما عرفتش استنى لما اشرب القهوة
ماسكه كوبايه اللبن وعماله اقرا واستمتع
صباحك حلو

Dina El Hawary (dido's) said...

ـ جسمي اشعر يا غادة، حلوة قوي
ـ بوست مظبوط
ـ ونشكر الحضانة اللي سمحت بالوقت اللي أنتج البوست الجديد
ـ :)

Eman M said...

فظيعة

http://beatbarah.wordpress.com/ said...

جميله وممتعه كالعاده يا غاده

راجى said...

ممتعة

mydmermaid said...

رائعة.. فقط رائعة!

صدفه بعضيشي said...

fe baini we bainek shabah mobala3' feeh , sad2eeni law 7ad 2alli en fe 7ad shabhy keda 3omry mahasda2o :D

Ghada said...

أنا سعيدة بيكم قوي :)))
وزي ما قالت دينا: نشكر حضانة تميم على تعاونها في اخراج هذا النص ! ادعولي بالمزيد بقى يا حلوين :)))
صباحكم رايق وهادي

Shaimaa said...

تحفة كالعادة يا غادة ..
بس يعنى هتكتبكى بوست كدة كل شهرين تلاتة ... مينفعش تخليها كل أسبوع؟!!

دمتى بخير

Anonymous said...

كلما قرأت أكتشفت أنك تعبرين عني كثيرآ

Anonymous said...

مروة حسن

انا حرة said...

اسلوبك في حاجة دافية بتخلينى اقرا الموضوع من اوله لاخره بسلاسة غريبة و ازعل اوى لما الاقينى وصلت لاخره..انتى هايلة يا غادة بجد ما شاء الله عليكى

Anonymous said...

:):):):)

Anonymous said...

:) حمد لله علسلامة

alyhazzaa said...

اشكرك علي هذه التدوينة و علي رسمك ابتسامة علي وجهي
انا مبسوط
=)

ياسمين نعمان said...

جميلة قوي يا غادة ورقيقة جدا ..
كتاباتك بتوحشني، متتأخريش علينا

Anonymous said...

دموع وحنين ومشاعر كتير
حسستيني بها
انت رائعة :)

أم البنات said...

تعرفى من أول كلمه لاخر حرف وانا مستمتعه لانك بتوصفى حاله من الوفاء الدائم الذى صاحبه فترات من الاغماء نتيجة طاحونة الحياة
دمت مميزة وادام الله فى قلبك وعقلك ما تعلمتيه وسوف تعلميه لابنك

أم البنات

Anonymous said...

7elwa awy..we really missed u..

sab7al5air said...

الله يديه الصحة والعاقية واستاذتي الجو علي بالي وانا بقرا في البوست ونهر الدموع يجري اظنني لا املك الا ان احسدك علي الشجاعه والخطوة الحلوه العملتيها وزرتيه
تحياتي
شكرا امتعتيني