Sunday, February 28, 2010

السيفونات في بيتنا لا تعمل

منذ شهور لا أستطيع حصرها والسيفونات في بيتنا لا تعمل، حتى أنني نسيت هذا الأمر وتكيفت بوضع جردل ماء في الحمام الكبير وآخر في الحمام الصغير..

السيفونات في بيتنا لا تعمل.. فأنا لا أشكو ولا أتكلم.. وأنت لا تعتذر ولا تعترف بخطئك.. أنا ابتلع صمتي وصوتي.. وأنت لا تفهم ولا تتعاطف.. تتراكم الخيبات والحسرات والأوجاع..

السيفونات في بيتنا لا تعمل.. منذ شهور كثيرة.. لا أستطيح حصرها.. السيفونات لا تعمل ولابد من أن نستعين بسباك!

Monday, February 22, 2010

-1-



أضع السمن على النار والشعرية حتى يتحول لونها للأشقر.. أقلب الرز الأبيض المغسول معها وأضع الماء المغلي والملح..أقلب تقليبة خفيفة وسريعة بملعقتي الخشبية الرفيعة التي أحبها.. أغلق الحلة بسرعة.. اقلل النار..انتظر حتى تختفي المياه.. أضع الشياطة..

دائما ما أطبخ الأرز بهذه الطريقة، ودائما ما أتعامل معه بحساسية شديدة.. فلا يجوز أن تسبق خطوة، خطوة أخرى.. ولا يجوز أن ابتعد عن النار حتى لا يلتصق الأرز "بالقعر".. أو ازود المياه كي لا "يتعجن".. أو أقللها كي لا "يشيط"..نفس الطريقة.. كل يوم.... دون أن أفكر في البداية..

وأمي لم تعلمني طريقة طبخ الأرز، حيث كانت ترى في وقفتي في المطبخ اهدارا لوقتي ومذاكرتي وبالتالي حياتي ومستقبلي وتاريخي. جدي -والد أمي- هو من علمني طريقة عمل الارز. في أحد الأيام، لم تكن أمي قد عادت من عملها بعد، كنت أنا وأخي وحدنا في المنزل، وأتى هو. صار جدي يزورنا كثيرا بعد وفاة والدي، كان يقف مع أمي عندما يأتي السباك، وكان يبيت معنا عندما قررت أمي أن تأتي بعمال بناء لتدخل البلكونة الكبيرة داخل الشقة. كما كان يذهب معها إلى "مشاوير الكبار" التي عرفت بعد ذلك أنها تتعلق بالتأمينات الإجتماعية وأوراق إعلام الوراثة ثم يعزمها على طبق كشري من عند أبو عماد، والذي تقسم أمي بأنها لم تأكل كشري في حلاوته إلا عندما كانت تذهب مع جدي. المهم، أتى جدي، وكنا جائعين..

كنت وقتها في الثانية عشرة من عمرى.. وقفت إلى جواره وقلت له أنني حاولت أن أطبخ الأرز من قبل ولكنه فشل جدا- حيث تعجن بعضه في حين ظل الباقي نيئا! قال لي جدي أن الأرز حساس و"مابيحبش اللي ينكشه" لهذا فمن الأفضل أن أتركه لحاله على نار هاديه وتحته قطعة من الصاج.. اكلنا يومها صينية بطاطس مع الأرز.. طبخها جدي أيضا.. وكانت "شبعة بعد جوعة"..

لم يكن جدي من هواه المطبخ من البداية.. بل دخله ليساعد جدتي بعد أن مرضت وبعد أن زوَّج البنات.. أحلى أكل تأكله من يد جدي عندما يكون رائق البال، أوعندما يطبخ لأولاده أو لضيوف قادمين. كان مثال في الكرم، ومستحيل إن زرته أن تمشي دون أن تتناول معه الغداء وتشرب شايك المظبوط في البلكونة وتحلي بالبرتقال أو الموز.. اتذكر أنني دائما ما كنت اجد البرتقال والموز في بيت جدي..مع إنه أمر مخالف لقوانين الطبيعة ومواسم الفاكهة..

على أي حال، كبر جدي وكبرت جدتي ولم يعودا قادرين على مغادرة السرير.. مشاكل صحية متتالية منها سكر وضغط وكوليسترول وجلطة.. وكان الأولاد والبنات يتناوبون على الخدمة وتقديم الأدوية والطعام وفقا لجدول دقيق.. وكانت هناك بعض الأيام التي لم يتمكن فيها الأولاد من الذهاب، فيأتي دور الأحفاد.. ولأن الاحفاد صغار فيقتصر دورهم على المجالسة والاستماع إلى الحواديت أو النظر في الأجندات القديمة التي ملأها جدي بأرقام تليفونات لا نهائية ووصفات طبخ ووصفات اخرى للعلاج بالأعشاب.. كان هناك أيضا خيار اللعب في الكومودينو القديم الذي تحتفظ فيه جدتي بالصور الأبيض والأسود..

جاء دوري في الذهاب لبيت جدي، وعندما وصلت وجدت أمامهما طبق فول بائت به قطعة جبن قديمة.. فول مغضن وعجوز وبارد وقطعة جبن صغيرة لا تكفي طفل.. طبعا لم يأت أحد من الأبناء اليوم وبالتالي لم يكن هناك طعام ساخن أو حتى مناسب، ولكنهما كانا راضيين "يا ستي ماحنا ياما كلنا".. حدثاني عن الدرب الأحمر –مكان اقامتهما القديم- وعن السوق ومحلات البقالة هناك.. قالا لي أن الجميع كان يأكل الفول، وأنه لم يكن هناك فارق اجتماعي كبير بين الناس كما هو الحال الآن وأن من كان يشتري بتعريفة حلاوة من عند عم حسن البقال "يبقى ابوه وزير".. وأن الشارع كان يطلق على اللانشون في أول ظهوره "جبنة لانشون" لاعتقادهم بأنه نوع من أنواع الجبن.. ضحكت..

وبعد أن انتهت الحكايات والأدوية.. تسللت إلى المطبخ لأعد لهما غداء ساخن.. كانت تجربتي الأولى في الطبخ.. صينية بطاطس وأرز كان قد علمها لي جدي..