Monday, March 22, 2010

صفاء


ارتأى لي الله بداية مرضية لعامي السادس والعشرين، ففي يوم عيد ميلادي زرنا المشتل القريب واشترى لي زوجي ثلاث نبتات اخترتهم بعناية.. الأولى انتيميس لأن ورداتها البيضاء الصغيرة تبهجني.. والثانية روزماري لأنني أحب رائحتها وأحب استخدامها طازجة وخضراء في المطبخ.. والثالثة نعناع بلدي يرد الروح ويضبط الشاي..

كما حقق الله لي أمنية طفولتي.. قط صغير يحبني ويتدلل علي.. رفضت أمي فكرة القط طوال حياتي، "يا بنتي بتجيب عقم" وعندما ازداد الحاحي اكتفت بعصافير استرالية علقت اقفاصها أمام باب شقتنا القديمة لأنها تسبب العقم (أيضا!)).. والحقيقة أنني لم افكر مجددا في اقتناء حيوان أليف إلا بعد أن رأيت سعادة تميم بكلب رضوى.. ولأسباب تتعلق بالنظافة، استبعدنا فكرة الكلب.. وبدأت البحث عن قط ذكر صغير..كنت أبحث عن سيامي لأنه كثير الحركة.. لكنني غيرت رأيي عندما وجدته.. شيرازي مشمشي اللون عمره شهرين..

اليوم خرج ثلاثتنا.. تميم والقط وأنا للتمتع بشمس الصباح.. وضعت ورقة نعناع بلدي قطفتها لتوي في كوب الشاي وجلست على الأرض أراقب تميم وهو يتفرج على القط وهو يأكل.. يبتسم لي تميم ويشير للقط باندهاش.. انظر لهما ولنبتاتي الثلاث... يالله كم أنت كريم معي!

Tuesday, March 09, 2010

الهروب الكبير

كنت أفكر في المكان الذي يمكنني الذهاب إليه بتميم كنوع من أنواع التغيير المطلوب لي وله.. فكرت في النادي القريب، ولكن الجري المتواصل وراء تميم ليست مفهومي عن الراحة والتغيير.. بعدها فكرت في مطعم به مكان للعب الأطفال، وما بين نعم ولا، رن التليفون.. أمي قادمة.. "في الطريق يا توتة".. هكذا تحب أن تدللني..

ابتأست لالغاء فكرة الخروج والجلوس الإضطراري، والطهي المبكر ولأداء الواجبات المنزلية التي كنت سأرجئها لحين عودتي، ..وعندما اتت امي، لم أفكر.. طلبت منها الاعتناء بتميم وأن تسمح لي بالخروج.. استأذنت من زوجي أيضا..

ارتديت عباءتي الزرقاء وهي أسرع ما يمكنني ارتداؤه.. كما أنها رفيقتي في فترات اكتئابي، فهي واسعة ورحبة ولا تظهر عيوب جسد ما بعد الحمل والولادة أي لا تعطيني سببا إضافيا لأجلد عليه ذاتي..

انزلقت في العباءة بعد أن نويت أن أشوي الدجاجة- بطريقة جبل الملح- عند عودتي وأن أشتري علبة فاصوليا حمراء وذرة حلوة للسلطة.. هكذا أستطيع الخروج وتقديم الغذاء في الوقت الذي سيعود فيه زوجي بالضبط..

خرجت.. تنهدت وافسحت مكانا للهواء يملأ رئتي.. تنهدت أيضا لكل خطوة أخطوها بعيدا عن المنزل، فيبدو أن السيفونات ليست وحدها التي لا تعمل- السباكة كلها محتاجة "تتفور"! شعرت بسعادة مشوبة بالذنب لأنني هادئة وسعيدة هكذا بدون تميم.. ولكنني مؤمنة بأنه في مصلحة الجميع أن أكون سعيدة، وبصحة نفسية جيدة..

قادني فكري لمقهي قريب من المنزل.. اصطحبت معي سعاد ماسي وستينج وسماعة أذن وكتاب مريد البرغوثي الجديد.. الجو صاخب في المقهى وخانق خارجها.. ازدحام مروري غير طبيعي.. ازدحام لا استطيع تحديد أوله من آخره من وراء زجاج المقهي.. أضع السماعات وابدأ القراءة.. والانعزال.. إلى أن أصل للحظة التي لا تعنيني الضوضاء فيها ولا الزحام..

أنا لست هنا.. أنا في مكان آخر.. مع مريد في السيارة نخرج من حدود رام الله.. يا الله متى كانت آخر مرة قرأت فيها نهارا ولم يقاطعني فيها أحد! يفلسف مريد فنجان القهوة.. يقول أن القهوة توقيت "أعظم ما في القهوة (التوقيت)، أن تجدها في يدك فور أن تتمناها. فمن أجمل أناقات العيش، تلك اللحظة التي يتحول فيها (ترف) صغير إلى (ضرورة)." وبرغم هذا، لا أشتاق للقهوة، بل أطلب طبق سلطة.. طبق كبير ومبهج ومنعش.. خس طازج وفلفل أحمر وقطع دجاج وفوق الجميع ورقة بقدونس قطفت من عودها حالا.. ابتهج لمنظر الألوان وللطزاجة التي تطبطب بها المكونات على قلبي المترّب.. لكم أشتاق لشيء طازج في حياتي، حتى ولو كان طبق سلطة!

أعلم أنني صرت أتكلم عن الطعام كثيرا.. صرت أقول لنفسي أنني بدأت في التحول لكائن غريب- مدمن على صناعة الحلويات- وليس أكلها بالضرورة.. ومدمن على تجريب طرق الطهي الجديدة.. لكن أنا مع أي شيء جديد.. هوايتي الجديدة اصبحت التجريب.. والحقيقة أن مطبخي هو المكان الوحيد الذي لي فيه كامل السيطرة.. والنتائج تكون ملموسة ومحسوسة وجميلة تبهج أيامي الغامقة.. وتكسر روتين إجباري صرت أعيش فيه.. طبخ علاجي ربما!

أعرف أنني سأعود للمطبخ ولمهام تميم بعد ساعة من الآن، لكنني أعرف أن شيء ما، ولو كان صغيرا، بداخلي، سيتغير.