Sunday, January 21, 2007

حتى غفوت..


حتى غفوت..


انقطع النور، وساد الظلام الدامس في شقتنا رغم إن العصر لم يؤذن بعد. تخاصم الشمس هذه الشقة ليل نهار، لأنها في الدور الثاني وتبتلعها المباني من كل ناحية، فلم أجد بدا من الصعود للآنسة شمس علها ترضى. سطوح البيت واسع، وحوله سور. امتلأ في الماضي بالطيور التي اعتادت جدتي تربيتها، لكنه فارغ الآن. لم امنع نفسي من تذكرها بمجرد أن حطت قدمي على السطح.. اعتدت رؤية ضفائر جدتي شديدة الحمرة هنا.. كانت تخلع الإيشارب الحريري الخفيف عن رأسها لتتمتع بالشمس، وتحسر الجلابية عن قدميها قليلا حتى تهون من آلام الروماتيزم. وقتها كان بيت جدي أعلى بيت في الشارع، فكانت تجلس براحتها على السطح دون خوف من أن يراها أحد.

كنت أتحجج بالمذاكرة حتى أصعد معها ألعب مع الطيور –ماعدا الإوز الذي كانت تحبسه وقت صعودي لخوفي منه- أو أطعم الجدي الرمادي الطيب الذي كانت تعده للذبح في عيد الأضحى، وكانت أمي تسمح لي. كنت أصطحب كراستي معي وكتابي، وأفتحهما لدقيقتين، ثم يبدأ سيل الحكايات. كانت تحكي لي عن بيت الدرب الأحمر، وعن سينما عابدين التي كان يصطحبها إليها جدي، وعن شارع الفحامين وعن شخصية خالي الغيورة، وكيف إنه اعتاد حراسة أخواته البنات في طريقهن للمدرسة كل يوم حتى لا يتعرض لهن أحد من أولاد الشارع.

اعتاد جدي الانضمام إلى أحدايثنا الفوق-سطوحية هذه، وكانت جدتي تناغشه أمامي وتشتكي لي من كثره صديقاته "البنات". كنت أضحك وأقول لها "ما هو أصل جدو أمور قوي يا نينة". فوق السطوح وتحت الشمس تأكدت من لون عيون جدي للمرة الأولي "ياه يا جدو.. دانت عنيك زرقا بجد! اشمعنى ماطلعناش زيك!". كان يضحك، ويخبرني عن جمال أخته الثانية التي لم أرها، وماتت قبل أن تتزوج، وتؤكد جدتي على كلامه "دي كانت أجمل من كل اللي بيطلعوا في التليفزيون".

مع ثاني خطوة يداهمني الهواء البارد المحمل بالشمس، تتسع ابتسامتي، رغم الفقد، واتمطى في مواجهة الشمس التي افتقدها كثيرا. بحثت عما أفرشه على الأرض، فوجدت ملاءة مطوية ونظيفة. ازدادت ابتسامتي. فردتها ونمت على ظهري لأراقب قطع غزل البنات التي تسبح في السماء مع أسراب الطيور، وأنا أسأل نفسي "متى كانت آخر مرة رأيت فيها السماء بمثل هذه الزرقة؟".


تحررت من الإيشارب كما كانت تفعل هي، وهمهمت بأغنية سمعتها يمامة بنية اقتربت مني، وظلت تنظر لي بعدم تصديق. شعرت وقتها بأن صوتي جميل، بل كان في الحقيقة جميل لدرجة أنني اقتنعت أنه ليس صوتي(!)، وتذكرت سنووايت التي اعتادت الغناء للحيوانات في الغابة وتمنيت أن أرى سنجابا وغزالة! لم أصدر أي حركة حتى لا تفر اليمامة، واستمريت في الهمهمة. وكأن اليمامة كانت تعرف أنني أغني لحبيبي، إذ طارت ونادت حبيبها ووقف الاثنان على مقربة مني ينظران لبعضها ويلتقطان من حب الأرض. ظللت على هذا الحال حتى غابت الشمس، وبنفس السكون، حتى غفوت.

--

تحديث: كتب كينج توووت :))

لما نرجع يوم ونطلع ع السطوح

بنحس فجأة بالطفولة

العبير م الماضي يهرب أو يفوح

ذكريات حلوة و خجولة

نفتكر أيام زمان

لما كانت النفس صافية

نفتكر شمس الأمان

لما كانت الشمس دافية

نفتكر كل الحاجات

و الذكريات بوضوح تبوح

لما نرجع يوم ونطلع ع السطوح

Tuesday, January 09, 2007

رباعيات الصباح

رباعيات الصباح



مَجّ أحمر..
اكتشفت اليوم أن السبب الوحيد الذي يجعلني أستيقظ من نومي مبكرا هو كوب الشاي باللبن في مكتبي.. الصورة الوحيدة التي تأتي على بالي أول شيء في الصباح هي صورة "مَجِّي" الأحمر والوردي والأبخرة المتصاعدة منه تتراقص في سعادة.. أفرك يداي لا إراديا وأزيح البطانية، ولا يهدأ لي بال إلا عندما أحتضن المَجّ بأطرافي المثلجة..

فرولا فرولا!
تصر بائعة المناديل الصغيرة على نطق اسم المناديل بطريقة خاطئة.. أتعجب دوما من كونها الأولي دائما على المحطة وأخشي عليها من البرد.. لكن ما أن البث أن أرى قفزاتها وجريها وحيويتها التي لا أعرف من أين يكتسبها جسدها النحيل إلا وأطمئن عليها. اقضي بعض الوقت في مراقبتها تحدث الغرباء الذين لم يعودوا كذلك، فهي تراهم كل يوم.. تعرف من زوجة من.. ومن يذهب لعمله متأخرا..ومن تهرب من المدرسة.. تقف للحظات على الرصيف وعلى وجهها شبح إبتسامة ساخرة، واعتداد بالنفس ثم تعاود الجري.. اقترب منها وأسألها السؤال المعتاد "معاكي مناديل ايه؟" تبتسم في وجهي للدعابة المكرورة وتقول بصوت عالي "فرولا"!

ابتسامة تنظر للسماء
أصل عملي، وأسعد بالأغنية التي احبها وتعثرت فيها صدفة بالأمس.. أطلب الشاي باللبن بإلحاح كي أسمع معه الأغنية التي تدور في الخلفية الآن.. أذكر اللحظات التي تستقبل "كاثلين كيلي" فيها الصباح.. وتقطع الشارع بخطواتها الواسعة بصحبة كوب القهوة الصباحي وابتسامتها التي تنظر للسماء.. أنتشي في مكاني لتذكر أحداث الفيلم وأعين به نفسي على ما حدث-أو لم يحدث- بالأمس..

وأمنية..
لا أمني نفسي بالكثير، مع إني أرغب في قراءة اسمك في صندوقي البريدي بشده.. افتحه وأجد رسالة منك فعلا..افتح الرسالة بلا صبر، وأجد فيها دعاء فك الكرب.. أضع يدي على جبهتي ويخايلني شيء من البهجة.. اقرأ الدعاء مرة أخرى، ثم ابتسم للشاشة وابدأ يومي.

Monday, January 01, 2007

سِـــــر

سِــــــر



كنت طفلة كريهة، و"براوية" للغاية. كان الجميع يلومني على انعزالي، وكان أهلي يحذفون اسمي تلقائيا من أي نشاط عائلي. حتى صديقاتي وقتها، عرفن حدودهن معي وتقبلوني على سخافتي. كنت متنمرة، وعنيفة، وهذا ما لا يعرفه الكثير عني. كل ما كان يدور في ذهني وقتها هو ألا أقترب.. ألا أستغرق في تفاصيل الآخرين وألا ادعهم يغرقوا في تفاصيلي. كنت أخاف على نفسي، من مرارة فقدهم. أردت فقط أن أحمي نفسي من ألم عرفته، واحمي من حولي من ألم لم يعرفوه..

حتى شفيت.. وبدأت زهوري تتفتح على العالم من حولي.. حاولت أن أكون لطيفة مع الناس، فنجحت.. ونجحت إبتساماتي الواسعة الودودة في تقريبهم مني.. ونسيت خوفي الأول.. وتذكرته فتناسيته.. ونسيته مرة أخرى واعجبتي اللعبة!