
أذهب للولادة مستبشرة.. تهاتفني صديقتي المقربة في طريقي للمستشفي.. أمزح معها فتستغرب.. في داخلي يقين بأن الله معي وبأنه يسر لي طريقة الولادة الأمثل بالنسبة لي.. قيصرية..
***
استيقظ على رجفة تشمل جسدي كله.. أفقد السيطرة على حركة رأسي تماما.. أشعر بها تذهب يمينا ويسارا بلا توقف.. أسمع صوت الممرضة وهي تقول شيئا عن زوال تأثير المخدر، فأصمت وأغرق في غفوة قصيرة..
***
أول ما رغبت فيه بعد أن فتحت عيوني هو أن أراه.. أحاول أن أميز الوجه المنتفخ والرأس والشعر الأسود.. أرحب به بابتسامة منهكة وأقول لنفسي "هذا هو "تميم" إذن".. تنغلق عيوني مع ابتسامتي وأغيب عمن حولي مجددا..
***
في المساء تصر أمي والممرضة على ضرورة أن أقوم من سريري وأمشي قليلا.. أخبرهم بأنني لا أقو على الحركة.. وبأن ثمة سكين يشقني نصفين مكان الجرح.. يقابلني الرفض.. أضع يدي على كتف الممرضة وأخنق بعض الصرخات في حنجرتي وأقوم..
***
تحكي لي الممرضة عن أزمتها مع زملائها في العمل وتبكي.. تحلف لي أنهم يكرهونها لأنها متمكنة من عملها وخبيرة به ولأنهم حقودين.. أحاول أخفف عنها بكلمات متعبة وأتوسل إليها بظهر محني أن تعيدني للغرفة لألقي بوجعي على السرير لعلي أنام..
***
يصاحبني الأنين طوال الليل..
***
يكتشف زوجي في الصباح أن الممرضة لم تعطني الحقنة المسكنة التي أمرت لي بها طبيبتي في المساء..
***
أبكي..
***
نعود لمنزل أمي.. أفتح عيوني على "تميم" وهو يتناول قطرات قليلة من اللبن الصناعي عن طريق "سرنجة" منزوعة السن.. يرفض هو أن يستيقظ وتفشل جميع محاولاتي في إطعامه..
***
أنام لدقائق وأصحو وأنا أناديه.. لا أجده جواري.. أتذكر أنهم أبعدوه عني ووضعوه في زجاجة عاريا مغمى العينين في أحد المستشفيات.. أضع يدي على وجعي وانتظر الصباح..
***
في بعده عني يجف عودي ويصير كلحاء شجرة عجوز.. أشحب وينكمش قلبي داخلي..
***
يعود إليّ.. صغيرا وضعيفا.. أجلس إلى جواره.. أحدثه.. أطعمه.. أضمه لقلبي.. أراقب نومته فاردا ذراعيه للعالم وللحياة.. أدعو له في سري وجهري.. أضع له مصحفا تحت رأسه.. وانتظر أول ابتساماته بصبر شديد..
زاد مخزون حكايات الموت عندي الليلة حكاية..
والحكاية مدهشة الحزن.. ستعجبكم.. ستقلص وجوهكم.. ستدفعكم إلى حمد ربكم قبل النوم.. و إلى احتضان أحباءكم عندما تعودون إلى المنزل.. ستعجبكم حتى إنكم ستتشدقون بها في الصباح مع فناجين القهوة وأنتم تتصعبون..
لهذا لن أحكيها..
وأنا بطبيعتي أكره الموت.. أكره الموت لأنه علمني ألا أحب.. أو إذا أحببت، علي أن أحب بحذر..
والحذر هو ألا أنسى أبدا أننا جميعنا راحلون.. مسافرون.. وأمتعتنا معنا طوال الوقت.. ليست في أيدينا بل قلوبنا.. لهذا قد أحزن وقت السعادة.. أو أشرد.. أو لا أفرح بما فيه الكفاية.. وكأنني أملك بداخلي شباكا مفتوح على الوجع بشكل دائم.. قد تهزه الرياح فيوارب قليلا.. لكنه لا ينغلق..
كنت أشم رائحة الموت منذ عدة أيام، فعندما قرأت عن خبر وفاة مدونة سعودية حزنت.. لكنني هدأت بعض الشيء وطردت الأفكار السوداء التي تخصني أو تخص من أحب من رأسي.. ودعوت الله أن ينتهي الأمر عند هذا الحد.. لكنه لم ينتهي..
مرير هو الصمت أمام عزيز يتألم.. والأمرّ منه كلام مشلول عاجز لا يهوِّن ولا يريح..
--
الصورة لسوزان عليوان






حواديت ماما فاطمة
إذا قدر لك لقاء ماما فاطمة، كُتبت عليك أيام عدة من الدهشة والإعجاب والتأمل الجميل.
***
وماما فاطمة هي حفيدة شهرزاد رقم خمسمائة، وهي أيضا جدة زوجي وجدة لما يقارب الثلاثين من الأحفاد وأحفاد الأحفاد. عندما قابلتها للمرة الأولى استغربت من أن الجميع يلقبها بماما، وكيف أن أحدا لا يقول لها يا "نينة" أو يا "تيتة" أو يا "جدتي"، لكنني حينما تعرفت عليها رغبت لو أن أناديها باسمها أو حتى أن أخترع لها اسم دلع خاص بها وأقوله لها وحدي.
إذا قررت أن تقابل ماما فاطمة عليك أن تذهب إلى الحسين، فهي تسكن هناك في عمارة قديمة خلف الجامع مباشرة.. عمارة سكنها الشيخ الشعراوي قبل وفاته وبها "تكية" عصرية لا تزال تفتح ذراعيها للمسافرين وعابري السبيل لتقدم لهم الوجبات المجانية وأماكن كثيرة للنوم والصلاة. وإن قابلتها ستفتح لك شنطة الحواديت وتنتقل بك من حدوتة إلى أخرى حتى تتمنى لو أن تظل جالسا تحت قدميها تسمعها تحكي للأبد..
ستحكي لك عن بيت عائلتها القديم في البلد، وكيف أنه امتلأ بالخدم والحشم والخير.. وستخص بالذكر "البت تِيتا" الخادمة الصغيرة التي تواطأت معها في تهريب الروايات من المكتبة الكبيرة إلى غرفتها حتى تقرأها حينما يكون الجميع نياما، على أن تعطيها نصيبا مضاعفا من اللحم وقت الغداء. ستحكي لك عن الطيور التي اعتادت تربيتها فوق سطح المنزل.. "فراخ وحمام وديوك رومي وخير ياما"، وكيف أنها كانت تجد في هذا العالم عزاءا كبيرا يعوضها عن حرمانها من الخروج من المنزل "أصل بنات العيلة عمرهم ماكانوا يسيبوا بيوتهم أبدا وقتها" وستلمح في عينيها بريق سعادة حينما تحكي لك على اليوم الذي أتت فيه إلى "مصر" مع الحاج "محمود" وكيف أنها كانت تنزل إلى الشارع كل يوم مع جارتها "فادية" زوجة لواء الجيش المعروف في الحتة لشراء احتياجاتها وكيف أنها كانت تجادل مع الباعة وتفاصلهم في السعر وتحصل دوما على الصفقة الأفضل.
أما إذا رُقت لها وأحبتك، فإنها ستريك صور زفافها التي تبدو فيها كواحدة من بنات العائلة المالكة.. كانت تشبه الملكة فريدة كثيرا وقتها في الحقيقة.. في ملامحها الدقيقة المصممة وفي وقفتها الأنيقة بالفستان الأبيض الدانتيل والتاج الماسي والزهور البيضاء. وبالرغم من مرور زمن طويل على وقت التقاط هذه الصورة، إلا إنك لن تستطيع منع نفسك من تخيلها ملكة عندما تعزم عليك بتناول الغداء -وهو أمر محتوم في بيتها- وتراها جالسة على رأس المائدة توزع الطعام على الجميع الذي التف حولها.. بالتساوي ودون أن تغفل أحدا.
وحين يأتي وقت الشاي، حاول أن تفتح معها شنطة الحواديت مرة أخرى.. لأنها ستحكي لك عن الملك والأميرة فوزية وشاه إيران.. عن الثورة وعن كاريزما جمال.. وقد ترتدي نظارة القراءة الصغيرة لتخرج لك قصاصات من جرائد قديمة احتفظت بها تحمل احداثا مهمة.. قد تحدثك عن الخطاب الأخير للبابا بنديكت في أمريكا.. و قد تريك الأجندة الصغيرة التي تدون فيها وصفات علاج السكر والضغط بالأعشاب والتي تضعها تحت وسادتها باستمرار.. أو قد تترك هذا كله وتسألك عن رأيك في الجون الأخير الذي احرزته مصر في ماتش بطولة الأمم الإفريقية بالأمس.
وعندما يحين موعد الرحيل، ستملأ كفيك بالبونبوني والشيكولاتة وستوصيك على أمك وزوجتك وأولادك، وستدعو لك بسعة الرزق وراحة البال.
كان واضح إن الفترة دي مش هتعدي كده من غير لحظة توقف صغيرة..
أول إمبارح حصلت لي حادثة.. غالبا (عشان مش فاكرة اللي حصل بالظبط) عربية خبطتني وأنا رايحة لماما
دماغي اتفتحت وفقدت حبة دم محترمين... كدمات بقى وسجحات (أول مرة أعرف معنى الكلمة دي إيه كانت اليومين اللي فاتوا) في كل حتة..
عموما احنا لسه على معادنا.. الساعة سبعة يوم التلات (11 مارس) في مكتبة الشروق اللي في الكوربة
متخافوش لو لقيتوا واحدة شبة نوال الزغبي بعد عملية التجميل.. ده بس من الورم اللي حصل لما وقعت على وشي!
أنا باطمنكم عليا.. أنا الحمد لله أحسن كتير دلوقت.. منجيلكوش في حاجة وحشة
إعلاااااان هااااااام
نداء إلى كل شاب وفِتاة..
من متابعي المدونة.. والكتاب..
دي الصفحة بتاعتي على الفيس بوك.. موجود عليها كل أخبار الندوات والمناقشات وحفلات التوقيع..
http://www.facebook.com/pages/Ghada-Mohamed-Mahmoud/8928208805?ref=mf
عشان المدونة بس ما تتحولش لصفحة إخبارية..
ولحد ما تشتركوا فيها، خدو الخبرين دول..
الأول فيه مناقشة لكتب مدونة الشروق في الساقية يوم الأربعاء القادم (اللي هو 5 مارس) الساعة 7 إن شاء الله..
والثاني (وده اللي يهمني بجد إني أشوفكم فيه) هو مناقشة كتابي في مكتبة الشروق اللي في الكوربة- مصر الجديدة... هي في شارع بغداد ومعروفة قوي هناك... المناقشة هتكون يوم الثلاثاء 11 مارس الساعة 7 برضه... وفيه مفاجأة كمان.. اللي هتشرفني جدا بوجودها عشان تناقش معانا الكتاب هتبقى... أن أن آآآآآن.... سحر الموجي... يلا بقى أديني عاملة لكم إغراء جامد أهوه! أتمنى بجد أشوفكم.. وآدي الرابط ع الفيس بوك..
http://www.facebook.com/event.php?eid=10438924461

منذ فترة وأنا أنوي على الكتابة عن تجربة الحمل، وعن الصغير الذي يرافقني ويشاركني جسدي منذ 6 شهور تقريبا. لست وحدي من تحمس لهذا، زوجي أيضا قال لي أنه سيكتب للطفل حتى يشعر بمدى أهميته بالنسبة لنا حتى قبل أن يولد وقبل أن نراه. أخبرته بأنها فكرة عظيمة جدا، وبأنني لازلت أعتز جدا بالصور التي التقطت لوالدتي حينما كانت حامل فيّ مرتدية الفستان الأخضر القطيفة وتقف إلى جوار تلاميذها في صورة جماعية في مدرسة الليسيه حيث كانت تعمل وقتها. وعندما كنت صغيرة وكان يزورنا الضيوف كنت فخورة جدا بإطلاعهم على الصورة قائلة في حماس "أنا كنت هنا جوه" مشيرة إلى بطن والدتي المنتفخة بشكل واضح.
المهم، ولسبب ما –أخمن أنه السعادة الجارفة مثلا- لم أسمع زوجي يتحدث عن الكتابة للطفل مرة أخرى. وأنا الأخرى لم أجد ما يمكنني قوله حول التجربة. كل الأحداث المتعلقة بشهور الحمل الأولى لم تكن سعيدة جدا، وأنا لم أرغب في تدوينها. أما الآن.. فالوضع اختلف..
إحساس..
يقولون أن للأم علاقة خاصة بأطفالها لا يمكن أن يشعر بها أحد سواها.. وتأكدت لي هذه المعلومة منذ عدة أيام.. كنت واثقة من أنني أحمل صبيا.. من أول يوم تأكد لنا خبر الحمل عرفت أنه صبي، وحلمت بهذا في نفس اليوم أيضا.. كل صديقاتي يعرفن أنني أحب البنات جدا وأنني لا أميل إلى الأولاد.. زوجي أيضا يحب البنات وكذلك أمي وحماتي التي لديها لهفة خاصة للبنات لأنها لم تنجب سوى صبيانا.. لذا كثيرا ما كنت أمزح مع صديقاتي بشأن عدم الحماسة التي ستلاقي الكائن الصغير.. وكنت أخبرهن بأن المتحمسة منهن للصبيان، ستتبناه رغما عن أنفها.. كل هذا وأنا أضحك وأدعو الله سرا أن يخيب ظني..
سونار
ذهبت وزوجي لإجراء "الدوبلر" وهو بحسب ما فهمت نوع من أنواع السونار لكنه متطور بدرجة ما فيمكنه حساب وزن الجنين وحساب كمية الدم الواصلة له وكمية الماء المحيط به بالإضافة إلى قياس طول أطرافه وحساب محيط الجمجمة، إلخ.. وفي وسط متابعتي للشاشة قال الطبيب.. "وطبعا ولد إن شاء الله".. نظرت إلى زوجي نظرة "مش قلت لك" ووجدته يبتسم ووجدت نفسي سعيدة جدا وأنا أتابع حركة الصغير على الشاشة.. تلك الحركة التي تأخرت كثيرا في الشعور بها لسبب ما لا أعرفه.. كانت الحركة ضعيفة وقت السونار وقلت لنفسي ربما كان نائما، وبعدها بعدة أيام تأكدت من هذا فعلا.. فصغيري لا يحلو له "الرفس" ولعب الملاكمة إلا في الليل حين يغالبني النعاس وأحاول النوم.. فتفاجئني ركلة قوية أو سلسلة من الركلات تجعلني أصرخ من الألم! وتلك الركلات –بخلاف أنها مؤلمة- جعلتني أبدأ فهم الموضوع.. هناك كائن يسكنني! حركاته ملموسة ونبضاته محسوسة.. يحب الجبنة البراميلي بالفلفل مثلي تماما فيقفز من السعادة داخلي إذا تناولتها ويثيره الطعام الثقيل ويقلق راحته.. أما الزبادي فيجعله مسترخيا يسبح داخلي في هدوء ودعه.. كل هذا يجعلني سعيدة جدا.. هو ابني أنا.. لا يهمني إن كان صبي أم فتاة.. السعادة واحدة والاندهاش واحد واللهفة واحدة والارتباط واحد والألفة والونس واحد..
عادي ولا دايت؟
في الأسبوعين الماضيين فقط لاحظت انتفاخ بطني المفاجيء.. فحتى الشهر الخامس كان يمكنني التخفي تحت شال مشجر أو بلوزة واسعة بعض الشيء دون أن يعرف أحد أنني حامل.. أمي وصديقاتي أكدوا على جدوى استراتيجية التخفي التي اتبعها وبأنني فقط "تخنانة شوية بس مش باين عليكي".. لكن في هذه الأيام ازداد حجم بطني بشكل ملحوظ وقلّت مقدرتي على الحركة والمشي بشكل طبيعي وازداد "النهجان" وضيق التنفس حتى في الأوقات التي لا أتحرك فيها..
أما ما أكد لي حالتي فهو السؤال الذي سمعته لأول مرة في حياتي من صاحب السوبرماركت الموجود تحت البيت عندما اشتهيت البيبسي الممنوعة عنه بأمر الطبيبة حينما قال لي ببساطة "عادي يا فندم ولا دايت"... !!
مؤازرة
حادثة واحدة فقط لم تفلح فيها استراتيجية التخفي.. كنت ما أزال في الشهر الرابع مستقلة عربة مترو السيدات عائدة للمنزل حين أتاحت لي سيدة حامل "جدا" (في الشهر التاسع ربما) مكانا إلى جوارها.. وعندما جلست والتفتت لأشكرها نظرت لي بعطف قائلة "حاسة بيكي" وابتسمت في رضا.