Sunday, October 31, 2010

يا مين يقول لي قهوة..

بدأ نوع جديد من الادمان يسيطر علي.. فبعد كوب الشاي الصباحي المنعنع الذي كنت أستمتع به في بلكونتي الصغيرة، أصبحت القهوة اكتشافي الثاني المهم..

ينحصر الشاي بالنسبة لي في 4 أنواع.. شاي مضبوط وشاي منعنع وشاي بالقرنفل أو بالخوخ للدلع.. أول نوعان لزوم عدل الدماغ والثانيان خفيفان للمساء كجرعة ثانية أو مخففة بديلة للشاي الأول.. لا يعدلان دماغي.. أشربهما وأنام كطفلة..

صرت أتناول القهوة التركي يوميا بعد أن فقد الشاي –من فرط التعود- قدرته على "تنبيهي". عرفت إن القهوة أنواع.. وإنها تختلف بحسب درجة التحميص واللون والتحويجة والمكان.. اشتريت قهوة محوجة من "عبد المعبود" واعجبتني.. قهوة ثخينة ذات عقبى مُرّة.. قهوة تدعو للتأمل والحزن.. ففي الفترة بين بداية الرشفة ونهايتها، تدرك تماما أن المرارة ستصيبك وستأتيك من قلب المتعة وبعد احساسك بالسكر فورا..

بن آخر اشتراه لي زوجي عندما لاحظ ولعي المفاجيء بالقهوة.. تركية سادة وسط (ليست فاتحة جدا أو غامقة جدا).. قهوة تفقد وشها بسرعة إن لم تصبها في الوقت المناسب.. قهوة محايدة تماما؛ تعطيك لذة القهوة ولا تفاجئك بأي طعم مختلف في نهايتها.. قوة لبداية الصباح بشكل عملي.. قهوة خفيفة نسبيا.. تترك لك مجالا للتنفس..

وبخلافا القهوة التركي.. هناك الاسبريسو الذي جربته في محل حلويات في الزمالك.. الاسبريسو لم يروقني، ولكن التناقض بين الحلو والمر استهواني، لذا عندما عدت خبزت مجموعة من كيكات الشيكولاتة الصغيرة ووضعت فوقها كريمة شيكولاتة الـ"نوتيلا" لترافق القهوة السادة المذكورة آنفا.. مزاج معتدل ومتوازن جدا للصباح.. جرعات متساوية من الحلو والمر، من الحزن والسعادة، من القرب والبعد ..

جربت الاسبريسو مرة أخرى في البن البرازيلي بالاسكندرية منذ يومين.. قال لي زوجي إنه قرأ مقال يصف رائحة المكان برائحة الجنة.. ولأن اليوم كان طويلا.. جربنا الاسبريسو وعرجنا مرة أخرى لتجربة الكافية أوليه والكابتشينو.. استغربنا جدا للمحة السبرتو الملحوظة جدا جدا في القهوة (في كل نوع قهوة جربناه).. نظرنا حولنا ووجدنا أن الجميع يبدو مستمتعا بقهوته، وأن أحدا لم يتبرم.. قلت له "يمكن العيب فينا".. تركت قهوتي غاضبة وإن شربت جزء منها من باب الحاجة للكافيين.. ساعتها أدركت أن القهوة لابد أن تشرب عند الاشتهاء، وليس من باب العادة أو من باب الاحتياج إلى الكافيين.. وإلا أدت إلى نتائج عكسية.. وإن القهوة تخضع لمقاييس ذاتية خاصة وإن "طعم الجنة" لابد وأن يختلف من ذوق لآخر.
.
القهوة الفرنسية هي مزاجي الآن.. فحجمها مُرضِ جدا –فنجان كبير بلا اسراف- محايدة نسبيا وقوية- والأهم أنها لا تشبه القهوة سريعة الذوبان -(النسكافية) الذي يصيبني بالغثيان- في شيء.. اتبين فيها درجة التحميص والتمس فيها ملامح من البن العربي.. ولإنها تخرج مصفاة من "فلتر" في ماكينة مخصوصة، فتأتي لي رائقة وغامقة وعميقة.. ربما مثلي هذه الأيام..

اشترينا ماكينة القهوة الفرنسية من الاسكندرية.. والبن أيضا..لا أعرف سبب أصراري على شراء البن من هناك أيضا بالرغم من تخوفي من إصابته بلعنة السبرتو اياها (زعمت إن المشكلة في ماكينة طحن القهوة وليس البن بدليل تكرار الأمر في كل أنواع القهوة التي شربناها في ذلك اليوم).. ربما اشتريت البن من هناك لإن الاسكندرية –كالقهوة- مشتهاة أيضا؟ ربما رغبت في اجترار الاسكندرية مع كل رشفة قهوة بعد أن أعود إلى اكتئاب القاهرة حتى ولو بطعم السبرتو؟ ربما..

قهوتي يجب أن تشبهني.. وأنا الآن ناعسة ومرهقة ولا أرغب في التفكير في شيء..أرغب فقط في الاسترخاء وخلع حذائي والنظر للسقف.. لن أشرب أي قهوة اليوم.

Saturday, October 23, 2010

عودة الابنة الضالة

إلى أستاذ منير فوزي

مازالت رائحتك يا أستاذي كما هي.. مفعم أنت بالقهوة والسجائر كما عهدتك منذ كنت طفلة. علمتني اللغة العربية.. النحو والبلاغة والشجاعة والسياسة والحياة.. اعطيتني ميكروفونا ودفعتني أمام الناس وقلت "قدمي الإذاعة والحفلات المدرسية".. ربت على كتفي عندما حفظت أجزاء من القرآن.. وعندما غيّب الموت والدي، التمست فيك مثل أعلى حي.. كنت صاحب أول "برافو يا بنت" على أول موضوع تعبير حلو.. وأول ابتسامة فخر عند أول نجاح كبير..

كنت تلميذتك المدللة.. أعرف هذا جيدا.. وكنت تخصني بجرعات مكثفة من التشجيع والثقة بالنفس..وكنت أحب أن اسمعك وأنت تتحدث.. وعندما يعلو صوتك أثناء الشرح عند الحماس.. أو تنطلق منك ضحكة حقيقية على نكتة تأتي من وحي النص أو نكتة أخرى نلقيها نحن من باب "من شابه أباه فما ظلم"..

أذكر المرة الأولى التي التقيت فيها بأمي وبالتالي عرفتني بالاسم.. كنت لازلت في الابتدائية.. ثاني يوم دراسة.. لم اتمكن من السهر على نقل الفصل الأول من قصة "علاء الدين والمصباح السحري" في كراسة الواجب مرتين.. فذهبت إليك أمي –والتي تعمل كمدرسة أيضا- غاضبة من لا منطقية الأمر لتتحدث معك عن معنى أن تنقل طفلة صغيرة كل هذه الصفحات كواجب مدرسي لمادة واحدة فقط .. كان ردك أن "مستوى الفصل سيء والعيال محتاجة شغل من نار"، وكان ردها "أكيد ماعرفتش بنتي لسه"..

عرفتني وصرت طفلتك المدللة التي ترافقك كالخيال، وصارت المدرسة كلها تعرفني بصفتي الصغيرة النحيلة التي تتفزلك بشأن المجاز المرسل والخبر المقدم وتستطيع أن تقول "عسجد يتضرم" بل وتفهم معناها أيضا.. البنت بتاعه الإذاعة.. التي تلقي الشعر في حفلات المدرسة وينعوج فمها مرة كل أسبوع ليقدم الإذاعة باللغة الإنجليزية.. البنت التي تجرأت –بعد دفعة وترتيب منك طبعا- في أن تحاور مديرة المدرسة ذات الملامح التركية الصارمة والتي كان يعمل لها العيال ألف حساب في الميكروفون في صباح أحد الأيام..

حين نشرت كتابي منذ عامين، شعرت بأن هذا هو مجهودك أنت.. ولأنني لم أرك منذ دخولي الجامعة، كنت أشعر بأنني "ندلة" جدا.. ولكن كيف لي أن أعود بعد 8 سنوات من الغياب.. وكيف ستستقبلني.. وهل ستتذكرني؟ وماذا لو لمتني؟ لن اتحمل اللوم.. تكفيني هواجسي وعفاريتي التي سأقتلها حين أقرر أن القاك ثانية..

أعرف لماذا ابتعدت كل هذه الفترة.. على الأقل اصبحت أعرف الآن.. لم تكن أنت المقصود.. أو أي شخص آخر في الحقيقة.. لكنني كنت أريد أن اتخلص من الألم.. فقداني لوالدي في تلك الفترة هو ما جعلني امحي هذه الفترة من حياتي تماما.. كأنني لم أعشها.. أغرقت نفسي في تفاصيل الجامعة ثم العمل بعدها.. ظننت أنني امتلكت العالم وقتها أولا بانشغالي التام في الدراسة وثانيا بمقالاتي التي كنت أكتبها ونقودي التي اصرفها في المكتبة وعلى وهم الحياة الاجتماعية والاصحاب في سيلانترو أو كوستا أو أي عفريت أزرق آخر.. ومضيت وكأنه لم يكن ماض.. وكأنه لم يكن هناك ناس..

ولذلك عندما وجدني بعض الأصدقاء القدامي على الإنترنت الصيف الماضي –أي بعد مرور 10 سنوات على آخر مرة رأيتك فيها- وقالوا لي إنهم لايزالو على اتصال بك وإنهم يعرفون مكانك، تذكرت... وتذكرت.. وتذكرت...

حتى اسماء زملائي في الفصل.. الاسماء الثلاثية.. تذكرتها.. الملامح.. المدرسين..الفصول.. ال"ديسكات" كما كنا نسميها.. الفسحة.."بلاك شوز".. الوجع... والوحدة... والونس الحقيقي... تذكرت هذا كله، وقررت أن أعود.. ربما حتى كطيف أو شبح.. ولو لمرة واحدة...وكي لا ألوم نفسي على عدم المحاولة..

بالأمس اصطحبت تميم وأتيت لك.. لم تتغير ابدا! كيف هذا؟! أصبح البياض في شعرك هو السائد الآن فحسب.. لكنك أنت.. نفس الضحكة والود والكرم.. نفس الروح والملامح.. رحبت بعودة ابنتك الضالة وأخبرت تميم إن "ماما كانت اللباقة كلها" وكلمات مديح أخرى.. بالطبع اهتم تميم أكثر بالحلويات التي اعطيتها له ولم يفهم من كلامك حرفا.. لكنني أنا من سعدت به.. وازدات سعادتي عندما قلت لتميم "هاتجيلي"! ستكون محظوظا جدا يا تميم لو تحققت هذه النبوءة/الأمنية.. أطال الله في عمرك يا أستاذي ومدك بفيض من الصحة والرضا والناس..

عندما عرفتك على نفسي للمرة الثانية.. عرفتني على الفور.. قلت ليك "ولكنني تغيرت" فقلت لي "بس الملامح واحدة".
قلت لي "ليكي حد هنا؟" وكأنك استكثرت أن آتي لقائك فحسب، قلت لك "لأ. جيت عشان أسلم عليك بس".. قلت لي أنك تذكرتني منذ أسبوع –صدقا لا أعرف إن كان هذا حقيقي أم من باب المجاملة - وقلت لى إن الأجيال "تنهار".. أخبرتني بحكايات كثيرة تتذكرها عني وعن دفعتي وأنت تبتسم وتقول "والله زمان!" سألت عن أشخاص بعينهم وطلبت مني أن أذكرك بالمزيد من الأسماء.. دعوتني لحضور نص "الصغيران" وطلبت لي شايا.. قلت لطلابك مشيرا لكتابي ولي بإنني "بنتك" وإن تميم "حفيدك" وبإنني "تركيبة غريبة" من زمان.. ليست هذه هي المرة الأولى التي يصفني فيها أحد ب"الغريبة".. ولكنني هذه المرة شعرت فيها باطراء حقيقي، ولم اتعامل مع التعبير بتشكك كما كنت أفعل من قبل.. استمتعت بشرحك جدا –كالعادة وللأبد- وسعدت بنفسي لإنني استطعت –أخيرا- أن أأخذ هذه الخطوة وحدي..

أكتب الآن لأنني ممتنة.. ممتنة لك جدا.. ولتلك الأيام.. وللحلويات التي قدمتها لتميم.. ولذلك النص.. ولكوب الشاي المضبوط.. جدا..